الرئيسية / دراســـات / السياسة القطرية في الثورة السورية

السياسة القطرية في الثورة السورية

الكاتب: وحدة الدراسات الاستراتيجية في مرصد مينا الإعلامي

مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي:

تستعرض هذه الورقة بالتحليل السياسي الدور القطري وأثره السلبي الذي بدا واضحا في السنوات الأخيرة في الثورة السورية من خلال انحيازها المطلق إلى جماعة الإخوان المسلمين والتكتلات الجهادية وفي مقدمتها جبهة النصرة مبينة أن قطر أضرت بالمشروع الوطني السوري وحرفت الثورة عن مسارها من خلال محاور منها:
  • قطر وتعويض الحجم بالدور.
  • انشقاق السياسة القطرية عن سياسة دول مجلس التعاون.
  • استخدام الأذرع الأيديولوجية الإسلاموية لتوسيع الدور القطري.
  • لماذا تتبنى قطر الإخوان المسلمين إلى هذه الدرجة؟.
  • الدور السلبي لقطر في الثورة السورية.
  • ما الغاية القطرية؟ إضعاف الجيش الحر وتقوية التنظيمات الإسلاموية.
  • لماذا دعمت قطر جبهة النصرة؟.
  • هيمنة قطر على الإعلام الثوري.
  • المال القطري وأثره في إفساد الثوار والسياسيين.

ماذا تعرف عن قطر بدايةً

الحديث عن دولة صغيرة فتية هي دولة قطر يستجرُّ بالضرورة الحديث عن واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فهذه الدولة التي تحكمها أسرة آل ثاني التميمي(1) هي دولة محدودة المساحة وقليلة عدد السكان، و(تقع في شرق شبه الجزيرة العربية في جنوب غرب آسيا، مطلة على الخليج العربي وعاصمتها الدوحة، لها حدود برية مشتركة من الجنوب مع المملكة العربية السعودية، وبحرية مع دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، ومساحتها 11.571 كم2، وعدد السكان 2.57 مليون نسمة(2) (وتعدّ دولة قطر من الدول ذات الدخل المرتفع لاحتوائها على ثالث أكبر احتياطي للغاز الطبيعي والنفط في أراضيها) (3). وهي عضو في مجلس التعاون الخليجي الذي يضمّ إضافة إليها كلاً من (السعودية والإمارات العربية والبحرين والكويت وسلطنة عمان).
الأموال الهائلة التي توفرها الثروة النفطية دفعت حكّام هذه الدولة إلى محاولة اشتقاق دور سياسي فاعل لها في محيطها الإقليمي.

انشقاق السياسة القطرية عن سياسة دول مجلس التعاون

وقد بدأ تباين قطر وتفردها في سياستها بعيداً عن مجموعة مجلس التعاون بعد الانقلاب الأبيض الذي قاده ولي عهد الدولة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ضدّ والده الأمير خليفة عام 1995 وكان الأمير الأب في حينها خارج البلاد.
ولعلّ استياء المملكة العربية السعودية من حركة الانقلاب في قطر، ومطالبتها بالتراجع عنه، ومحاولة توسطها لحلّ الأمر، دفع بقائد الانقلاب الشيخ حمد بن خليفة إلى عدّ الموقف السعودي تدخلاً في الشأن القطري، ما رتب على ذلك توتر العلاقات بين البلدين، وجنوح الأمير الجديد إلى استقدام الدعم الأجنبي لحماية دولته وحكمه من خلال تقديم التسهيلات للأمريكيين لإقامة أكبر قاعدة عسكرية لهم في المنطقة، وكذلك للاتجاه بالسياسة القطرية بعيداً عن الموقف الموحد لدول مجلس التعاون، وقد ظهر هذا الموقف القطري المنفرد والمتناقض أحياناً مع مواقف شركائه في مجلس التعاون من ثورات الربيع العربي، إذ انتهجت قطر سياسة دعم القوى الإسلامية ممثلةً بحركة الاخوان المسلمين، واقتربت من قوى وتنظيمات سلفية جهادية في أكثر من ساحة عربية، وظهر هذا الموقف جليّاً في موقفها من قوى الثورة السورية، إذ دعمت الاتجاهات غير الديمقراطية في هذه الثورة على حساب جوهر الثورة التي قامت من أجل بناء دولة وطنية ديمقراطية تعددية، كدعمها الصريح للإخوان المسلمين في سورية وجبهة النصرة ذات الأيديولوجية الجهادية؛ ومن قبلها دعم إخوان مصر وغيرهم.

أذرع قطر التدخلية

حيث يجري وضع السياسات الخاصة بأيّ دولة تريد أن تلعب دوراً إقليمياً ودولياً فهذه السياسات تحتاج إلى أسس ومبادئ عمل وأهداف ووسائل وأدوات تحقق ذلك، ولعلّ أهم الأذرع التي يمكن استخدامها في هذا الاتجاه هي أذرع المال والإعلام والأيديولوجية، وقد عمدت دولة قطر بدءاً من عام 1996 عام انطلاق قناة الجزيرة إلى استخدام هذه الذراع الإشكالية، ما أثار التساؤلات والريب لدى أنظمة الحكم العربية إضافة إلى أوساط سياسية وفكرية مختلفة، وكان من الطبيعي التساؤل: كيف تسمح دولة ذات نظام حكم وراثي لا مؤسسات ديمقراطية فيها بإنشاء شبكة إعلامية ضخمة هي شبكة الجزيرة على قاعدة بثّ برامج ذات طبيعة محرّضة ضدّ أنظمة الاستبداد والدكتاتورية؟.
هذا تناقض بين بنية دولة ونظام حكمها مع بنية منتج فكري وثقافي وسياسي مناقض لها، وهو ما جعل وضع إشارات استفهام جادة على دور إعلامي كهذا أمراً صحيحاً وممكناً. ولتوضيح الهدف الأساس من إنشاء شبكة الجزيرة الإعلامية يقول الشيخ حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر السابق ووزير خارجيتها في مقابلة أجراها معه تلفزيون قطر: (أنشأنا الجزيرة لأن سمو الأمير الوالد حمد بن خليفة كان يطمح إلى أن يكون هناك صوت واضح للمواطن العربي عما يجري في العالم العربي، وأن الصراحة التي بدأت بها الجزيرة لم يتعودوا عليها في منطقتنا، وأن الجزيرة لها إيجابيات وسلبيات ولكنها فتحت أفقاً في الوطن العربي لمعرفة الحقيقة أو جزء منها) (4).
أرادت قطر توظيف قوى الإسلام السياسي بوصفها قاعدة عمل لأداء دور إقليمي ودولي، وبرز ذلك من خلال استضافتها لمجموعات متتالية من حركة الإخوان المسلمين سواءً في مصر أم فلسطين أم سورية أم غيرهم ويقول في هذا الأمر (برنارد هاكيل) مدير معهد الدراسات الإقليمية المقارنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى في جامعة برينستون: (إن الدوحة وجدت في الثورات العربية فرصةً لتعزيز دورها الإقليمي في المنطقة، واعتمدت في تحقيق ذلك على عاملين أساسيين، أولهما قناة الجزيرة التي قدمت نموذجاً جديداً للإعلام الإقليمي العربي الذي يهتمّ بقضايا الفساد والحريات في الدول العربية، والعامل الثاني يتمثل في دعمها للإخوان المسلمين مادياً ومعنوياً، إذ ترى قطر في قوة الإخوان بوصفها الحركة الأقدم الأكثر تنظيماً في المنطقة وسيلةً تحقق لها زيادة نفوذها في المنطقة) (5).
ولكن قطر لم تتوقف بعلاقاتها مع قوى الإسلام السياسي عند عتبة علاقتها مع حركة الإخوان المسلمين إذ تستضيف على أرضها شخصية بارزة في هذه الحركة وهي شخصية الشيخ يوسف القرضاوي الذي أدى دوراً تحريضياً كبيراً في بثّ الدعاوى الفكرية والسياسية للتيارات الأصولية ذات المرجعية الإسلامية، وأدّت دعواته إلى ردّات فعل سلبية من دول الخليج العربي وتحديداً السعودية إضافة إلى دول عربية عدة، ولكن هذه العلاقات امتدت لتشمل علاقات مع جبهة النصرة التي تنتمي إلى منظمة القاعدة المصنفة منظمة إرهابية على الصعيد الدولي، فقد قال روبرت فيسك: (ليس هناك شك في أنّ هناك علاقة بين قطر ومجموعات إرهابية في سورية وبالدرجة الأولى مع جبهة النصرة) (6).
فلماذا تذهب قطر منفردة في هذا الاتجاه وتغرّد خارج سرب مجلس التعاون الخليجي؟ وما حقيقة علاقتها بالجماعات الإسلامية سواءً حركة الإخوان المسلمين أم حركات إسلامية راديكالية مثل جبهة النصرة أو غيرها من الفصائل ذات المرجعية السلفية التي تدعو إلى دولة خلافة إسلامية في سورية.

من الأيديولوجيا إلى الدور السياسي المفقود

تعد الأيديولوجيا في سلوك دولة قطر السياسي ركيزة عمل أساسية لتحقيق أهداف سياسية خاصة بها، تريد من استخدامها تعويض الحجم السكاني والجغرافي الذي تفتقده للقيام بدور في الساحة الإقليمية والدولية، ولعلّ هذا الهاجس لدى حكام قطر هو من يؤدي الدور الأبرز في رسم سياساتهم الإقليمية والدولية وهم يجدون أنفسهم أقرب ما يمكن إلى التيارات السياسية الإسلامية بوصفهم أسرة حاكمة لم تأت إلى الحكم بعقد اجتماعي رضائي، فالدولة التي أسست في الثالث من نوفمبر عام 1971، وحصلت على استقلالها عن المملكة البريطانية، حكمها الشيخ أحمد بن علي آل ثاني الذي تعرض إلى حركة انقلابية في الثاني والعشرين من شباط 1972 قادها الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني جد الأمير الحالي تميم لأبيه.
لكن الدور السياسي (الحلم) للدولة الصغيرة قطر يمكن تلمسه فعلياً مع قيام الشيخ حمد بن خليفة بانقلاب ضدّ والده الشيخ خليفة في 27 حزيران 1995 (7). فبعد هذا التاريخ بدأت قطر تشقُّ طريقاً سياسياً متفرداً يتعارض مع أهداف مجلس التعاون الخليجي، وقد انعكس هذا السلوك في درجة التعاون السياسي والاقتصادي بين دول المجلس، ما خلق معوقات متعددة ارتكزت أساساً على نقطتين اثنتين، أولاهما عزل الشيخ خليفة بن حمد وهو الذي يقيم علاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج العربي، وثانيتهما تنشيط دور الحركات الإسلامية ودعم قطر لها (فقد عملت قطر خلال السنوات الماضية على انتهاج سلوك سياسي مختلف تماماً عن سلوك دول الخليج بإقامة تحالفات مرنة وعلاقات متوازنة مع عدد من القوى الدولية والإقليمية، فقد أقامت علاقات مع إيران وإسرائيل وتركيا وأمريكا، وشرعت بإقامة تحالف استراتيجي بينها وبين الجماعات الإسلامية في المنطقة التي رأت فيها قطر الوريث الشرعي لأنظمة الحكم في الدول العربية حتى أضحت قطر الراعي الرسمي والوكيل الحصري لهذه الجماعات) (8).

دور قطر السلبي في الثورة السورية 

انفجرت فعّاليات الثورة السورية في الخامس عشر من آذار بتظاهرات بدأت محدودة ما لبثت أن توسعت في تظاهرات سلمية كبيرة طالبت بالإصلاح السياسي وبدولة مؤسسات ديمقراطية، وقد شهد العالم عبر شاشات التلفزة الجموع الكبيرة للمتظاهرين في مدن سورية عدة بعد أن انتقلت شرارة الاحتجاج والتظاهر إلى مناطق كثيرة من سورية بعد حوادث درعا المشهورة. وقد قابل النظام السوري التظاهرات السلمية بالقمع والتلويح بإصلاحات سياسية لم يكن جاداً بها، فالنظام السوري المبني على دعائم أمنية لا يمكنه تجاوز بنيته والقبول بتقديم تنازلات جوهرية تمسّ وجوده السياسي وغير السياسي (وبعد أن امتدت رقعة الاحتجاجات إلى سورية الحليف المقرّب إلى إيران بدأت بعض دول الخليج التفكير ملياً في الاستفادة من الاحتجاجات التي تمكّن حينها تغيير النظام، فإطاحة الرئيس السوري بشار الأسد سوف تقوّض قدرة إيران على التأثير في حلفائها اللبنانيين والفلسطينيين التي تنسق لجبهة المقاومة فتح) (9).
هذه الرؤية يمكن القول إنها جمعت تحت مظلتها موقف أغلب دول مجلس التعاون بتفاوتات مختلفة. وكانت قناة الجزيرة قد تحولت إلى ساحة إعلامية تبث كل ما يتعلق بالتظاهرات والحوادث الجارية في سورية، ما استفزّ النظام السوري ومناصريه في البلاد وهو ما أدى إلى تدبير هجوم من هؤلاء المناصرين على سفارة دولة قطر في شهر تموز 2011، ما حدا بدولة قطر إلى أن تقوم بسحب سفيرها من دمشق، هذا الإجراء الدبلوماسي رافقه بحث قطري متواصل عن دور سياسي ينبغي أن ينهض ليقود التعبير عن حركة الاحتجاج الشعبي الواسعة، من هنا دعمت قطر بالتعاون مع دولة تركيا تشكيل المجلس الوطني السوري الذي هيمن عليه فعلياً تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في سورية، ويمكن القول إن الإخوان كانوا أكثر المشاركين نفوذاً في بناء هذا الإطار الذي أسس في الثاني من تشرين الأول 2011 الذي عُدّ (أهم تجمع للمعارضة السورية في المنفى، والمرجع الرئيس للبلدان الأجنبية التي تدعم المعارضة على الرغم من انقسامه وتشرذمه) (10).
وقد اعترف الشيخ حمد بن جاسم حين قال: (عندما بدأنا ننخرط في سورية عام 2012 كان لدينا ضوء أخضر بأن قطر هي التي ستقود، لأن السعودية لم ترد في ذلك الوقت أن تقود) (11).

تفكيك الجيش الحر وإنهائه ودعم العسكرة الإسلاموية

بعد انتقال الثورة السورية إلى طور الدفاع المسلح عن المتظاهرين بدأت قطر تزجّ بنفسها في مسار الثورة لتوجد علاقات ذات تأثير مع التشكيلات العسكرية الأولى للجيش الحر، ولم يقتصر دورها على هذا الجانب فحسب وإنما اتضح دورها في التأثير في الثورة السورية من خلال تدخلها السياسي والعسكري وحرف مسار الثورة عن مسارها المدني من خلال عسكرة بعض جهات الثورة كي تتمكن وضع يد الإسلاميين عليها، لقد كان واضحاً الدور القطري في تفكيك الجيش الحر الوليد الذي يؤدي فيه ضباط وطنيون انشقوا عن جيش النظام دوراً مهماً، هذا الدور جرت ممارسته من خلال تقديم الدعم العسكري والمالي الكبيرين لفصائل إسلامية، ولما أبدى المجتمع الدولي رغبته في بإيجاد إطار سياسي أوسع من المجلس الوطني الذي يهيمن عليه الإخوان المسلمون عملت قطر على المساهمة في تفكيك المجلس الوطني وتشكيل ائتلاف قوى الثورة والمعارضة بطريقة تُبقي يد الإخوان المسلمين مسيطرة على الائتلاف الجديد.
واستطاعت الدوحة أن تنجح في ذلك من خلال إبقاء مقرات الائتلاف في اسطنبول وسيلة لضمان التحكم المطلق في تحركاته بالتعاون مع تركيا. (إن الدور القطري السلبي حيال الثورة السورية أدى إلى انقسامات كانت ذروتها عند تأسيس الجبهة الإسلامية بدعم قطري عام 2013 وانشقاقها عن الجيش الحر وسحبها الاعتراف بالأجسام السياسية المعارضة كمظلةٍ شاملة) (12).
لقد دافعت قطر عن وجود جبهة النصرة تشكيلاً عسكرياً من تشكيلات الثورة السورية مع العلم أن الجبهة تتبنى علناً استراتيجية منظمة القاعدة التي تتبنى ما يُطلقُ عليه (السلفية الجهادية) (وليس من قبيل التجني ارتقاء هذه الموجة الحالية، فالحقيقة أنه وبما لا يدع أيّ مجال للشك فإن (الشقيقة) قطر من كان لها الدور الرئيس ومعها بالطبع جماعة الإخوان المسلمين في الإرباكات كلها التي تعرضت لها المعارضة السورية وفي إخفاقات هذه المقاومة كلها) (13).
لقد أدّت دول عدة دوراً سلبياً ضد الثورة السورية من مقدمات مختلفة ومصالح متباينة، ولكنها اجتمعت ضدّ نجاح هذه الثورة وإنجاز مهماتها، ولعل قطر كانت أخطر اللاعبين الإقليميين على الثورة السورية و(لقد ثبُتَ أنّ قطر ومعها بعض الدول الإقليمية، إضافة إلى إيران وروسيا، قد حالوا دون أن تكون للثورة السورية أداة عسكرية واحدة بعنوان (الجيش السوري الحر) ودون أن تكون أداة سياسية بعنوان (حركة التحرر الوطنية) (14).

من دعمت قطر في سورية ولماذا

اتجه الدعم القطري منذ بداية الثورة السورية إلى مصلحة الجماعات الإسلامية عموماً والإخوان المسلمين وجبهة النصرة خصوصاً، فالإخوان الذين سيطروا على المجلس الوطني السوري، ثم سيطروا على ائتلاف قوى الثورة والمعارضة، تلقوا دعماً مالياً قطرياً بقيمة 55 مليون دولار أمريكي، قُسم المبلغ ثلاثة أقسام، (أقرّت المصادر بأنّ حجم الدعم الذي جرى منحه للحكومة الموقتة وبخاصة بعد زيارة رئيسها آنذاك أحمد طعمة إلى قطر بلغ 22.5 مليون دولار أمريكي، ومبلغ مثله لائتلاف قوى الثورة والمعارضة، و10 مليون دولار أمريكي لوحدة تنسيق الدعم) (15).
و(تبيّن في ما بعد أن الدوحة دعمت فصائل مسلحة وعلى رأسها جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) بما يقارب 13 مليون دولار أمريكي ما بين 2013 – 2016) (16).
هذه السياسة التي اتبعتها قطر كانت تخدم فعلياً عملية إجهاض الثورة السورية، وهذا يمكن الاستدلال عليه منطقياً في ما إذا يمكن لنظام حكم وراثي أن يدعم ثورة تطالب بالحرية والديمقراطية ضد نظام استبدادي دكتاتوري، فالقطريون أساساً لم يكونوا على خلاف مع إيران حليفة النظام السوري، بل كان الأخير حليفها إلى آخر لحظة قبل انطلاق الثورة السورية.
لقد تبيّن لاحقاً أن دولة قطر تقوم باستقطاب الجماعات الراديكالية وتقدم الدعم لها، وهذا دور لا يتلاءم مع حجم دولة صغيرة، وإنما قد يكشف دوراً وظيفياً للحكم القطري الذي يجمع أطراف خيوط علاقاته المتناقضة مع دول كثيرة، فهو يقيم علاقات مع نظام طهران الذي يدعم النظام السوري بإمكاناته كلها في الوقت الذي يعادي فيه الأخير، ويتودد إلى الروس في الوقت الذي يشنّ فيه الروس حرباً ضروساً ضدّ حلفائهم والحكم القطري يتشارك مع دول الخليج الأخرى بمجلس التعاون ويتآمر عليهم في الآن ذاته، ويبني علاقات مميزة مع إسرائيل ومع عدوتها حماس حليفته الإخوانية في الساحة الفلسطينية.
إن الدور القطري متعدد التأثير في الثورة السورية، وعلاقة هذا الدور مع الجماعات الإسلامية الراديكالية يثير تساؤلات مشروعة عن طبيعة هذا الدور والأهداف النهائية له، ولعلّ هذا الدور يشار إليه بالتوسط القطري لإطلاق سراح الصحافي الأمريكي (ثيو كيرتس) الذي اختطفته جبهة النصرة عام 2012 (وطلبت فدية بقيمة 30 مليون دولار لإطلاق سراحه) (17). فقد ساعدت قطر على إتمام الصفقة، وهذا مؤشر على وجود علاقات بين الحكم القطري والجماعات الإسلامية.

دور قطري مريب

إن الدور الذي أدّاه الحكم القطري ضدّ الثورة السورية من خلال ضخّ أموال كثيرة لبناء تنظيمات مسلحة وإحداث مراكز إعلامية مختلفة يدلّ بما لا يقبل الشك على أنّ هذا الدور ليس دوراً يعبّر عن طموحات دولة صغيرة تريد أن تجد لها مكاناً إقليمياً ودولياً، بل هو دور يخدم دوائر صراع دولية كبرى، وقد ظهر ذلك من خلال الأزمة التي تفجّرت نتيجة الدور القطري ضدّ شركائها في مجلس التعاون الخليجي (السعودية – الإمارات – البحرين)، إذ من المفترض أن تقف الولايات المتحدة مع حليفتها السعودية المتضررة من سياسة الحكم القطري، لكن الإدارة الأمريكية طالبت أطراف الصراع بوقف صراعهم وتذويب خلافاتهم خدمة لصراعات أهم.
ويمكن الاستنتاج أن الدور القطري يعيش على التناقضات ويستمر في البنية السياسية العربية إذ يقدّم دوراً منوطاً به مقابل حمايته بوصفه نظاماً يحكم دولة غنية بالثروات.


المراجع

1- www.marefa.org آل ثاني
2- ويكيبيديا – الموسوعة الحرة – قطر
3- Mawdoo3.com – 10 /8 /2016 – شهيرة دعدوع – حدود دولة قطر
4- Arabic.sputniknews.com 26/10/2017 رئيس وزراء قطر السابق يكشف الهدف الاساسي لإنشاء قناة الجزيرة
5- Sasapost.com – محطات في علاقة قطر بالإخوان – ميرفت عوف – منذ ثلاث سنوات
6- الاندبندنت – روبرت فيسك – 3 أيار 2017 مقال.
7- ويكبيديا – الموسوعة الحرة – حمد بن خليفة آل ثاني
8- المركز الديمقراطي العربي democratcac.de – منصور أبو كريم – كاتب وباحث فلسطيني
9- Harmoon – سياسات دول الخليج في سورية – ويل تودمان – ترجمة محمد شمدين 23 / 11 / 2016
10 – مركز كارنيغي للشرق الأوسط – المجلس الوطني السوري
11 – www.anapress.net (أنا برس) 12 حزيران 2017 – شهادات وأرقام
12 – alarab.co.uk منذر آقبيق
13 – الشرق الأوسط 6 تموز 2017 – دور قطر في شرذمة المعارضة السورية – صالح القلاب
14 – المصدر السابق نفسه
15 – www.anapress.net – 12 حزيران 2017 شهادات وأرقام – الدور القطري في الأزمة السورية
16 – المصدر السابق
17 – albayan.ae 28 / 5 / 2017 – محمد خالد.

هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.

عن شبكة حقيقة الاعلامية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*