الرئيسية / دراســـات / روسيا وعودة اللاجئين السوريين فاقد الشيء لا يعطيه

روسيا وعودة اللاجئين السوريين فاقد الشيء لا يعطيه

بعد الانتصارات العسكرية للنظام الأسدي التي ما كان ليحققها لولا الدعم العسكري الروسي والإيراني اللامحدود، تواترت الأخبار والتصريحات حول ملف اللاجئين السوريين الذين تسميهم قناة روسيا اليوم (RT) غالباً “النازحين”، لأن كلمة نازحين أخف وقعاً من حيث المعنى، فأهل الريف حين يهاجرون إلى المدينة هم نازحون وليسوا لاجئين.
تقاطعت التصريحات الروسية والأخبار الصحافية حول عمل روسيا على وضع خطة لإعادة اللاجئين السوريين إلى داخل سورية، من دون سقف زمني محدد أو أي شروح إضافية.
.
هل تستطيع روسيا بقيادة بوتين فعلاً تأمين عودة اللاجئين السوريين إلى سوريا؟ وضمان سلامتهم أولاً؟
.
بفرض أن السيطرة العسكرية التي حققها نظام بشار الأسد ستكون مستقرة ومستمرة وقادرة. هل تملك روسيا الخبرة والقدرات على القيام بعملية ضخمة كهذه؟
لنحاول الإجابة وفق المعطيات والحقائق القائمة على الأرض خارج التقويمات السياسية. وسنتجاوز مشكلة حوالى 6.6 مليون سوري نازح ضمن سوريا، إذ هي بحد ذاتها تحدٍ ضخم وهائل(1).
.
حال اللاجئين السوريين خارج سوريا
.
وفق آخر المعطيات المنشورة من منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR وصل عدد اللاجئين السوريين في نهاية شهر تموز/ يوليو 2018 في دول الجوار وشمال أفريقيا إلى 5,598,291 لاجئ(2)، إضافة إلى أكثر من مليون لاجئ سوري في أوروبا، يتوزعون وفق الجدول الآتي:
.
اللاجئين السوريين في دول الجوار والاقليم وفي أوروبا
.
إذاً نحن لسنا أمام مشكلة صغيرة تتعلق ببضعة آلاف أو عشرات آلاف من البشر، أغلبهم يعانون مشكلات مادية وصحية، إننا أمام حوالى 5 ملايين إنسان يزعم أحدهم أنه سينقلهم من بلد إلى بلد آخر، فكيف الحال لو كان هؤلاء البشر هم لاجئون يعانون الأمرين في بلد اللجوء، وبلدهم الأصلي قد دمر أكثر من نصفه. وهل تملك روسيا الخبرات والإمكانات المادية واللوجستية وحتى الانضباط الأخلاقي والسياسي للقيام بهذه العملية التي ستكون أكبر عملية نقل سكاني منظم في التاريخ البشري إن حصلت؟
.
اللاجئون الروس
.
قد لا يعرف كثيرون أن اللاجئين الهاربين من روسيا الاتحادية، وهم بأغلبهم من الشيشان ومنطقة القوقاز، يشكلون تاسع جنسية بين اللاجئين الذين قدموا إلى أوروبا ما بين عامي 2010 و2017، إذ وصل عدد طالبي اللجوء من روسيا الاتحادية في دول الاتحاد الأوروبي خلال هذه المدّة إلى 149,635 طالب لجوء. وهم يتوزعون في دول الاتحاد الأوروبي وفق الجدول الآتي(3):
.
جدول يبيّن عدد طالبي اللجوء الروس في الاتحاد الأوروبي بين عامي 2010 – 2017
.
هؤلاء اللاجئون الفارون من روسيا يُعاملون في دول الاتحاد الأوروبي مثل بقية اللاجئين، فهم أناس هربوا من الخطر الذي يهدد حياتهم وسلامتهم الشخصية، وهم يتلقون المساعدات والدعم المادي والصحي والتعليمي نفسه الذي يتلقاه أي لاجئ آخر قادم من سوريا المنهكة بالحرب منذ 8 سنوات أو من أفغانستان والعراق وغيرها من الدول التي هدمت فيها الحروب ما هدمت ودمرت من اقتصاداتها ما دمرت.
حركة اللجوء هرباً من روسيا الاتحادية ليست حركة متراجعة زمنياً، كما قد يظن بعضهم، بحسب بيانات الاتحاد الأوروبي إن عدد طالبي اللجوء القادمين من روسيا لم يتراجع خلال السنين الأخيرة بل بقي ضمن المعدل الوسطي بحسب ما يوضح الشكل الآتي:
.
عدد طالبي اللجوء الروس في الاتحاد الأوروبي سنوياً
.
اللاجئون في روسيا
.
ربما تصنف روسيا واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية وثاني أكبر قوة عسكرية في العالم، وأكبر مصدري الغاز الطبيعي في العالم، وواحدة من أكبر مصدري النفط ومنتجيه في العالم بعد السعودية والولايات المتحدة الأمريكية. لكن مع ذلك فعدد اللاجئين الهاربين منها ليس بعدد قليل نسبياً؛ ومن ناحية ثانية مقارنة بالدول الغربية فهي من أسوأ الدول من حيث نظام استقبال اللاجئين القادمين من دول تعاني المشكلات.
فبحسب معطيات منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يوجد في روسيا 8970 طالب لجوء من دون جنسية، تتكفل الأمم المتحدة بدعمهم ورعايتهم، إضافة الى 8620 شخصاً من دون جنسية حصلوا على الجنسية الروسية(4).
أما اللاجئون من الدول التي كان لروسيا دور كبير في حروبها ومشكلاتها، بغض النظر عن تقويمنا لدورها، فنجد أن عدد اللاجئين من سوريا في روسيا يبلغ 26 لاجئاً ترعاهم الأمم المتحدة، من أفغانستان 3269 لاجئاً(5). بينما يصل عدد اللاجئين من صربيا التي كانت روسيا تدعمها كلياً في الحرب اليوغسلافية في التسعينات إلى 111,670، لكن ليس في روسيا بل في الاتحاد الأوروبي(6). فروسيا لا تستقبل ضحايا حتى حلفائها بأي حرب.
.
التخلص من الإرهابيين الروس
.
أصدرت مجموعة الأزمات الدولية في بداية عام 2016 تقريراً بعنوان “تصدير الجهاديين من روسيا”، رصدت به حركة ما يزيد على 3000 مقاتل من القوقاز تحركوا إلى سوريا عبر تركيا وانضموا إلى داعش(7). فالسياسة الروسية كما يبدو قد أتقنت اللعبة، تلفظ الإرهابيين من أراضيها، ترسلهم إلى سوريا ثم تقتلهم أو تستخدمهم في سوريا.
.
الخاتمة
.
لم تثبت روسيا تاريخياً -لا يوم كانت قيصرية ولا يوم تحولت إلى الاتحاد السوفياتي ولا يوم عادت إلى كونها روسيا- أنها قادرة على عمليات ضخمة مثل إعادة توطين ملايين الأشخاص في بلاد دمرتها الحرب، وهي لا تملك سجلاً جيداً في مجال التعامل مع اللاجئين وضحايا الحروب سواء كانت مشاركة أم لا.
وحالياً لم تستطع الحكومة الروسية إلى حد الآن تأمين حياة مواطنيها الذين يستمرون بالهرب منها طلباً للجوء مثلها مثل أي دولة دمرتها الحروب أو الأزمات الاقتصادية في الدول الفقيرة. بل إنها ما زالت تعمد إلى التخلص من مشكلاتها بتصديرها إلى الخارج كما فعلت مع مقاتلي داعش القوقازيين الذين لا يمكن أن يكونوا قد غادروا روسيا من دون أن تراهم المخابرات الروسية.
أما التعويل بحسب الشائع على دعم الصين المالي، وكذلك الأوروبي فهذا بحاجة إلى مبحث أخر، لكن يمكن القول باختصار، إن عملية بضخامة إعادة حتى ثلث اللاجئين السوريين خارج سوريا بحاجة إلى علاقات قوية جداً بين الدول المشاركة تقوم على الثقة والتعاون الحقيقي، وهذا ما زال مفتقداً بين الدول الأوروبية من جهة وروسيا من جهة ثانية وتركيا من جهة ثالثة.

.
المراجع:
.
1- منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قسم المعطيات الإحصائية، اللاجئون السوريون.
http://www.unhcr.org/syria،emergency.html
2- منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قسم المعطيات الإحصائية، اللاجئون السوريون.
https://data2.unhcr.org/en/situations/syria
3- الاتحاد الأوروبي، قسم المعطيات الإحصائية.
http://ec.europa.eu/eurostat/data/database
4- منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قسم المعطيات الإحصائية.
http://reporting.unhcr.org/node/2551
5- منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قسم المعطيات الإحصائية.
http://rsq.unhcr.org/en/#az6R
6- المرجع (3).
7- ملخص لتقرير مجموعة الأزمات الدولية، مع التقرير الأصلي باللغة الإنكليزية.
https://goo.gl/zm179C

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*