الرئيسية / مقـــالات / بوتين القلق على اللاجئين السوريين بعد أن دمَّر بلادهم
Syrian men carrying babies make their way through the rubble of destroyed buildings following a reported air strike on the rebel-held Salihin neighbourhood of the northern city of Aleppo, on September 11, 2016. Air strikes have killed dozens in rebel-held parts of Syria as the opposition considers whether to join a US-Russia truce deal due to take effect on September 12. / AFP PHOTO / AMEER ALHALBI

بوتين القلق على اللاجئين السوريين بعد أن دمَّر بلادهم

عن كارل بيلدت، رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق في السويد

في تحول مفاجئ ومثير للرَّيبة، يدّعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الآن، أنه قلق بشأن مصير ملايين اللاجئين الذين فروا من المذبحة في سوريا إلى خارجها. وفي اجتماعه الأسبوع الماضي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أعرب بوتين عن أمله في مساعدة الاتحاد الأوروبي بإعادة إعمار سوريا، حتى يتمكن النازحون من العودة إلى منازلهم. والدبلوماسيون الروس أيضاً، كانوا خلال الأسابيع الفائتة يتجولون عبر العواصم الأوروبية بنفس الرسالة.

الآن وبعد سيطرة نظام بشار الأسد على معظم المناطق في البلاد، فإنه من الواضح أن الحرب في سوريا بدأت بالانحسار. إلا أن هذه النتيجة لم تكن حتمية، على العكس، فقد كانت قوات النظام قريبة جداً من الانهيار في وقت ما. إنما بمساعدة “حاسمة” من الميليشيات المدعومة إيرانياً، ومن الطيران الروسي، فقد تمكن الأسد من قلب المعادلة.

وفي تلك الأثناء لم تحقق الجهود الأمريكية الرامية لإنشاء “معارضة مسلحة معتدلة” سوى القليل، بصرف النظر عن “وحدات حماية الشعب” الكردية (YPG) التي هي امتداد لحزب العمال الكردستاني، وسيطرتها على مناطق في الشمال السوري المتاخم للحدود مع تركيا. أما ما تبقى الآن هو تدمير الجيب المتبقي للنصرة في إدلب، والتوسط في نوع من التسوية بين “وحدات الحماية” والأسد.

لقد نجا الأسد بتكلفة باهظة، نزح أكثر من نصف السكان في داخل سوريا وأجبروا على الهرب إلى البلدان المجاورة أو إلى أوروبا. جزء كبير من البنية التحتية -من الأبنية السكنية إلى المستشفيات- تعرضت للخراب. غنيٌّ عن القول أيضاً إن اقتصاد البلاد قد انهار، بسبب التأثيرات المباشرة للصراع والعقوبات التي فرضت على الأسد، كجزء من الجهود الفاشلة في إجباره على التوصل إلى تسوية سياسية.

لم يعاني خلال نصف قرن مضى أيُّ بلد آخر، من خسائر فادحة في الأرواح البشرية وفي البنية التحتية مثل سوريا. ولا شك بأن المسؤولية عن هذه المأساة تقع على عاتق نظام الأسد وحليفيه الروس والإيرانيون. وبالطبع، سيقولون إنهم حاربوا الإرهاب، كما لو أن ذلك يعفيهم من استهتارهم بأرواح المدنيين. لكن الأجيال القادمة سوف تتذكر المصدر الحقيقي للإرهاب، الذي حلَّ بالبلاد خلال السنوات السبع الماضية.

وتختلف التكلفة المادية المُقدرة لإعادة إعمار سوريا بشكل واضح، ففي حين بلغت تقديرات البنك الدولي في عام 2017 بحوالي (225) مليار دولار أمريكي، أشارت التقييمات الأخيرة إلى مبلغ يقارب الـ(400) مليار دولار، كما يتوقع آخرون أن يصل إلى ترليون دولار، دون احتساب التكلفة البشرية للحرب.

وفي وقت يبدو واضحاً بأن الكرملين لا يشعر بواجبه في إعادة إعمار المدن التي دمرها الطيران الروسي وإعادة سبل العيش لسكانها، فإن الولايات المتحدة تبدو أيضاً غير متحمسة للمساعدة، ففي الأسبوع الماضي ألغت الإدارة الأمريكية توجيه مبلغ (230) مليون دولار لتمويل إعادة إعمار الرقة وغيرها من المناطق المحررة من داعش، بتأمل واشنطن بأن تدفع السعودية الفاتورة بدلاً عنها. ومع تراجع الولايات المتحدة، تتوضح أسباب توجه بوتين فجأة للتحدث إلى الأوروبيين حول محنة اللاجئين السوريين، بوتين الذي لم يهتم بهم، عندما كانت قنابله تسقط على أحيائهم، وتُجبرهم على الفرار، لكن الذي يريده بوتين الآن من أوروبا، هو أن تنقذ الأسد.

ولكن، ليس من الواضح أن الأسد يريد حتى عودة اللاجئين السوريين. إذا كان هناك شيء يهمه، فهو استغلال الأوضاع لإعادة تشكيل التركيبة العرقية والسياسية لسوريا، الأمر الذي يجعله وطائفتَه أكثر أماناً. بالإضافة إلى فرض قانون جديد على اللاجئين في الخارج، بمنْحهم سنة واحدة فقط لاستعادة ممتلكاتهم قبل أن تستولي عليها الحكومة. كما يبدو أن المتطلبات البيروقراطية الحكومية الأخرى، قد صُممت بحيث تسمح لسلطات النظام بمنع دخول أي شخص لا يعجبهم إلى البلاد.

علاوة على ذلك، فقد صرح بشار الأسد صراحة أن الشركات الأوروبية غير مرحَّب بها في إعادة الإعمار، وأنه ينبغي إعطاء الأفضلية للشركات الروسية، لكن من الواضح أن النظام يستعدُّ للاستفادة من أي أموال لإعادة الإعمار يمكن أن تأتي في طريقه. لهذه الأسباب، فإن آخر ما ينبغي على الأوروبيين فعله هو إرسال الأموال مباشرة إلى الأسد. هناك خيار أفضل بكثير، وهو تقديم الدعم المالي المباشر للأفراد والعائلات المستعدة والقادرة على العودة إلى بلدها.

وفي نفس الوقت، لا ينبغي على الاتحاد الأوروبي رفع العقوبات المفروضة على نظام الأسد، حتى يتم التوصل إلى تسوية سياسية ذات مصداقية، بين النظام والمعارضة، إلا أن السؤال المطروح هو، هل هذا التسوية ممكنة؟. حتى الآن، تم إفشال أي مقترح واقعي، من خلال إصرار الأسد على بقائه في السلطة.

من الجيد أن يتذكر بشار الأسد أنه الآن حاكم لحطام البلاد، وأن نظامه لن يكون آمناً، حتى عندما تسقط البنادق صامتة.. إن عدم قدرته على إحياء سوريا، سيتركه عرضة للخطر، بنفس الطريقة التي رفض خلالها إجراء إصلاحات سياسية، قبل ثماني سنوات.

المقال تحرير وترجمة جُرف نيوز عن معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي بتاريخ 24/8/2018

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*