الرئيسية / مقـــالات / عودة الحراك السلمي – دلالاته وآثاره

عودة الحراك السلمي – دلالاته وآثاره

مقال سليمان نحيلي

يعود الحراك الشعبي السلمي مجدداً ليتصدّر المشهد في الشارع السوري في المناطق المحررة في إدلب وحلب.

فقد شهدت الأيام القليلة الماضية مظاهراتٍ شعبيةً واسعة، تُوِجت يوم الجمعة في 14 من شهر أيلول سبتمبر الحالي تحت عنوان (لا بديل عن إسقاط النظام)، والتي تمّت على إيقاع طبول الحرب التي يدقّها النظام وحلفاؤه بعد سيطرتهم العسكرية على درعا.

وقد استمرت هذه المظاهرات في تصاعدها بعد الاتفاق التركي والروسي الأخير في سوتشي الذي تضمن إنشاء منطقة منزوعة السلاح في الشمال السوري بعمق 15-20كم، وجنّبَ بالتالي محافظة إدلب عملاً عسكرياً ستكون آثاره كارثية على المحافظة التي تكتظُّ بما يزيد على ثلاثة ملايين مواطن سوري من إدلب ومن النازحين إليها من باقي أنحاء سورية، ذلك الاتفاق الذي شكّل صفعةً قوية للنظام في كبح تطلعاته إلى إعادة تركيع إدلب عسكرياً.

حيث انطلقت يوم الجمعة 21 من أيلول سبتمبر الحالي مظاهرات عارمة في مناطق الشمال السوري كافة تحت شعار (رفض الإرهاب والمصالحات) والتي شكّلت الصفعة القوية الثانية للنظام الذي دأب منذ انطلاقة الثورة على تشويه الحراك الشعبي السلمي عبر إلحاق التهم المتعددة به، ومنها تهمة الإرهاب، كي لا يبدو للعالم أنه حراك ٌشعبي ذو مطالب حقوقية وإنسانية مشروعة.

وإذ يعود الشعب السوري عبر الحراك السلمي، إلى روح الثورة الأولى، فإنه يعود أكثر وعياً ونضجاً مستفيداً من تجربة وأخطاء المرحلة السابقة من عمر الثورة، ليواكبَ ظروف ومقتضيات المرحلة الحالية ومستشرفاً مقتضيات المستقبل، الأمر الذي بدا واضحاً من شعارات المظاهرات وأسماء الجُمَع.

ولا شك أنّ عودة هذا الحراك تحمل في هذه المرحلة من الدلالات الكثير، وسترتّبُ آثاراً هامة على مسار الثورة السورية المستمرة.

ومن أهم هذه الدلالات:

1- إعادة استلهام الروح الأولى للثورة السورية، كحراك شعبي سلمي حقوقي يرفع شعار المطالبة بالتغيير والحرية والكرامة والمساواة والعدالة الإنسانية.

2- يعتبر الحراك السلمي في الشمال السوري بمثابة استفتاء شعبي لكلّ السوريين على متابعة الثورة بحسبانِ أنه يقطن في إدلب حالياً مايربو على ثلاثة ملايين سوري من كافة المناطق السورية.

3- أثبتت عودة الحراك السلمي للمجتمع الدولي من خلال الشعارات التي رفعها رفضاً للارهاب، بأنّ إدلب ليست مرتعاً للإرهاب كما يدّعي النظام وحلفاؤه، الذين قتلوا وشرّدوا الملايين من السوريين تحت غطاء هذه الذريعة الباطلة. وقد تجلّى ذلك في رفض المجتمع الدولي لأيّ عمل عسكري يُشنُّ على إدلب، وفي تصريحات الدبلوماسيين الغربيين ومنهم المندوب الفرنسي لدى مجلس الأمن في جلسته الأخيرة المنعقدة بشأن إدلب، قبل اتفاق سوتشي الأخير بين الأتراك والروس.

4- إنّ عودة الحراك الشعبي السلمي تمثل دليلاً على سلمية الثورة السورية منذ انطلاقتها، وأنها جُرّت إلى العسكرة جرّاً بسبب وحشية النظام في التعامل مع المتظاهرين وبالتالي فإن التسليح كان نتيجةُ حتميةً وليس غايةً بحدِّ ذاته.

5- التأكيد ُعلى استمرار إلتفاف الحاضنة الشعبية حول الثورة والثوار، وتلاحمهم المصيري وخاصةً بعد الفتور الذي أصابها  بسبب تطورات الحرب المدمّرة.

6- وأعتقد أنه من الضروري أن نذكر هنا أنّ الطوائف التي تعتبر من الأقليّات في النسيج الاجتماعي السورري وخاصة الطائفة المسيحية، لم تفقد سمتها الوطني ّبالرغم من كل الاختلاطات في الرؤية التي اشتغل عليها النظام من خلال زرع الرِّهاب النفسي لدى الأقليات من الطائفة الأكبر في سورية، وتقديم نفسه على أنه الحامي الأمين للأقليات في سورية. وقد تجلّى ذلك مؤخراً في الأيام القليلة الماضية بعد القصف بالقنابل العنقودية الذي تعرضت له مدينة محردة في ريف حماه التي سكانها من الطائفة المسيحية الكريمة، وذهب ضحيته العديد من المدنيين الأبرياء، إذ سارعَ أهل مدينة محردة إلى إصدار بيان موقّع بإسم أحرار محردة ندّدوا فيه بالجريمة وحمّلوا النظام السوري وتابعه رئيس فرع الأمن العسكري في حماه وفيق ناصر مسؤولية هذه الجريمة، وأشاروا إلى أن القنابل العنقودية لايمتلكها الثوار، بل جيش النظام، وتواصلوا مع الثوار بهذا الخصوص، ولا شكّ أن هذا التصرف الوطني من قبل أهالي محردة كان له صدىً واسعاً في الحراك السلمي الذي تشهده إدلب والشمال السوري الأمر الذي أعاد للسطح أحد شعارات الثورة الأهم والأجمل منذ انطلاقتها وهو (الشعب السوري واحد).

ومما لا شكّ فيه أن هذا الحراك الشعبي السلمي سيرتب آثاراً هامة على مسار الثورة السورية منها:

1- إعادة طرح المسألة السورية على الصعيد المحلي والدولي معاً على أنها ثورة شعبٍ مقهور يطالب بحقوقٍ أقرتها جميع الشرائع الدولية وشرائع حقوق الإنسان.

2- ساهمَ الحراك الشعبي السلمي ومن خلال رفع شعارات رفض الإرهاب في تبرئة الثورة السورية من تهمة الإرهاب التي اجتهد النظام على إلصاقها بها منذ انطلاقة الثورة السورية.

3 – إنّ عودة واستمرار الحراك السلمي الشعبي سيُظهر أنّ أي عمل عسكري يُوجّهُ للمتظاهرين السلميين إنّما هو اعتداءٌ على أُناسٍ مدنيين أبرياء أصحاب حقوق ومطالب محقّة مشروعة.

4 -ويمكننا القول أخيراً أنّ استمرار المظاهرات السلمية التي رافقت الاجتماع الثلاثي في طهران، واجتماع مجلس الأمن الدولي الأخير بخصوص إدلب، واتفاق سوتشي الروسي-التركي الذي أنشأَ منطقة منزوعة السلاح في الشمال إنّما شكّل مايشبه اصطفافاُ أو تحالفاً دوليّاً ولو ضمنيّاً ضد محاولات النظام وحلفائه في المستقبل شنَّ عمليةٍ عسكريةٍ في إدلب واعتبارها عدوان غير محق كارثي النتائج ذو تأثير على الأمن والسلم العالميين.

إنّ تلك المعطيات المذكورة تشكّل أرضيةً صلبة يمكن البناء عليها كما يرتّبُ على قوى الثورة والمعارضة العسكرية منها والسياسية مسؤولية الاستفادة منها،وتوجيهها في المسار الذي يخدم تطلعات الشعب السوري الثائر الذي قدّم وما زال مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين ثمناً لحريته وكرامته.

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*