الرئيسية / دراســـات / لماذا ندعو إلى حركة تنويرية؟

لماذا ندعو إلى حركة تنويرية؟

أحمد الرمح: كاتب وباحث

 

في هذه الدراسة يقدم الكاتب رؤيته في مسألة التنوير؛ موضحاً الأسباب الداعية إليها؛ وضرورة النقد للوصول إلى معرفة صحية وحالة وعي تأخذ المجتمع نحو نهضة حضارية بعد أن عانى طويلاً في درك التخلف والانحطاط معتمداً على إرث ديني بشري قيَّد النص الأول، مبيناً أن حركة التنوير باتت حاجة وضرورة لمجتمعاتنا التي تعاني تحديات حقيقية. من خلال المحاور الآتية:

  • مفهوم التنوير وأسبابه.
  • النقد البناء خطوة التنوير الأولى.
  • الحركة التنويرية حاجة وضرورة لمجتمعنا.
  • الفارق بين العقلانية والتنوير.
  • الفارق بين التجديد والتنوير.
  • خطوات لا بد منها في حركة التنوير.

المدخل

تعاني مجتمعاتنا معضلةَ عدمِ القدرةِ على معايشة المعاصرة، وفهم متطلبات الحداثة، وثقافة دولة المواطنة، وبما أننا مجتمعات (ثيولوجية) تعتمد النص الديني محركاً ودافعاً لها للعمل والتغيير، وبما أن فهم النص الديني ما يزال مرهوناً ومقيداً بالمعرفة التراثية فلا بد من حراك تنويري يقدح في العقل شرارة الإبداع من أجل نهضة حضارية تستحقها بلادنا بعد كمون انحطاطي دام قروناً.

فالتنوير هو جسر يربط المسلم والمجتمع بالفكر والقيم الحضارية المعاصرة، ليكون مجتمعنا بما يمتلك من إرثٍ حضاري قادراً على البقاء والاستمرار والنهضة في مواجهة تطورات المعاصرة وتحدياتها التي يفرزها الواقع.

 

لماذا ندعو إلى التنوير؟

إن التنوير الذي نريده حتى نحقق خطوتنا الحضارية الأولى،  يشبه كثيراً الصناعة التحويلية لفكر الفرد والمجتمع وسلوكهما من خلال نقلهما من الجمود إلى الحركة، ومن التخلف إلى التقدم، ومن الهامشيّة إلى الفاعلية، ليقرأ النص قراءة معاصرة تعيد انبعاث مقاصده الإنسانية، وتبعد عنه ثقافة الإلغائية واستعداء الآخر، وتُنهي ثقافة القطيعة لتحيي ثقافة التشاركية بين أبناء المجتمع كلهم. (1)

وعندما تغدو المعتقدات الدينية المجتَهَدة بشرياً سبب الانحطاط والتخلف؛ ومخاصمةً للعلم وقانون السببية، لا بد من صدمة التنوير وشرارته، حتى تبدأ عملية البحث عن مخرج من عتمة التخلف والانحطاط باتجاه نهضة حضارية معاصرة لا تستلب هويتنا وشخصيتنا.

هذا يعني أن التنوير الذي ندعو إليه ينزع القداسة الموهومة عن الاجتهادات البشرية الملحقة بالنص الأصلي من دون مخاصمة له. فالاجتهادات التراثية كانت تنويرية في عصرها، ولها صلاحيتها الزمانية المحددة، تنتهي بانتهاء قدرتها على معالجة مستحدثات الواقع والعصر وحاجاته.

مما سبق فإن حركة التنوير التي نحن بصددها تعتمد القرآن مُلهماً، والتقدم العلمي والمعرفي سبيلاً، والمعاصرة والحداثة منطلقاً، لتتولد نظريٌة معرفيٌة تحرك العقلَ المُعَطلَ، حتى ينتج إبداعًا في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والعلاقة مع الآخر. هذا يعني أن التجديد والإصلاح الذي ندعو إليه في مجال فهم الإسلام، يجب أن ينتج حركة إصلاح ونهضة حضارية في مجالات الحياة كلها. (2)

لقد ضاعت -في زحمة تخبطنا- من أذهاننا الثقافةُ القرآنية التي شُرِفنا بحملها لنتحرك بها سلوكياً، فأدى ذلك إلى ابتعادنا عن الرشد وانتقالنا من مرحلة الشهود الحضاري إلى مرحلة الغثائية التي طفى على سطحها العبثية الفكرية واللافاعلية، والتقاتل والتناحر المذهبي والطائفي، حتى فقد المجتمعُ البوصلةَ التي توجهه نحو الهدف الحقيقي، وتخبط فكرياً ولم يحسن التعامل مع الوسائل التكنولوجية المساعدة، حتى وصل إلى مرحلة الوهن، ليغدو الوطن لقمة سهلة لكل الطامعين.

ومن ثم لا يمكن أن يكون هناك تنوير يؤدي إلى نهضة حضارية حقيقية إلا إذا سمحنا لأنفسنا بالنقد البنَّاء، وهذا النوع من النقد هو لبنة الإصلاح والتجديد الأولى التي تدفع بالمجتمع نحو الخطوة الأولى في سلم الحضارة العالمي، وبما أن رسولنا ﷺ أكد أن المجتمع الذي لا يُجدد لا خير فيه من خلال قوله (لا خير في من لا يضيف)(3) فعلينا أن نعرف لماذا توقفنا عن الإبداع، لنبحث في الأسباب ونتابع العمل لنضيف ونجدد.

إنّ التنوير المنشود للحركة الإصلاحية يطالب العقل الديني بالعمل من أجل قضيتين أساسيتين لتحقيقهما، هما الحرية والعدالة الاجتماعية لأبناء المجتمع جميعهم مهما كان انتماؤهم الأيديولوجي، إذ إنّ هاتين القضيتين السبب لكل ثورة قامت، ولو استعرضنا تاريخياً كل دعوة للإصلاح أو كل ثورة قامت لتبين لنا أنّ العدالة الاجتماعية أو الحرية، كانتا السبب الباعث لهما.

ينبغي علينا أن نعرف أين الخلل لإجراء مراجعات حاسمة، فالإسلام أول منهج علمي دعا إلى النقد البنّاء، وعدّه عبادة يتقرب بها المؤمن إلى ربه من خلال مصطلح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جعله الإسلام عموداً من أعمدته لنجاح الحركة الإصلاحية.

إن المراجعات هي الخطوة الأولى في طريق التنوير الشاق، فمن خلالها نستطيع أن نضع يدنا على الداء لنَصِفَ الدواء، ومن خلالها نعرف عللنا وأخطاءنا والأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، إنها أشبه بعملية الاستغفار التي يمارسها المؤمن يومياً من دون كلل أو ملل.

 

النقد البناء خطوة التنوير الأولى

وعلى هذا يجب علينا تغيير البنية الفكرية في التعامل مع المعلومة التي نتلقاها آتية من التراث أو رجل الدين، فنحن نتعامل مع المعلومة بوصفها مُسَلَّمة ثابتة، على الرغم من كونها منتجاً بشرياً محضاً قابلاً للخطأ والصواب، وهذا يختلف مع المنهج القرآني، فالقرآن الكريم عندما قدم الإيمان بالله لم يفرضه مُسَلَّماً به، إنما دعا إلى الاستدلال وإعمال العقل واستخدام المنهج العلمي في التوحيد الذي هو قضية القمة، إذ قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه. (محمد:19)

إن البنية الفكرية للعقل المسلم اليوم هي نسخة مصورة لعصر التقليد، حيث تكوّن بعد القرن الثالث الهجري على أساس تلقيني وتقليدي قياسي، لا على أساس ابتكاري إبداعي يمحِّص المعلومة قبل الإيمان بها، هذا التأسيس الخاطئ وصل إلى البنية الفكرية لأصحاب الشهادات العليا لدينا، فمعظمهم ليسوا مبدعين، بل مجموعة جمعت المعلومات لعلم معين من دون أن يكون لها أي دور في تطويره أو الإبداع فيه، وهذا يعود إلى التربية الثقافية التي نشأنا عليها في تلقي العلم.

إن أهم ما نحتاج إليه اليوم هو فتح المجال لأبناء المجتمع جميعهم، كي يعبروا عن آرائهم وأفكارهم ضمن أصول حرية الرأي وضوابطها، والإسلام لا يخاف الحقيقة، ولكن هناك من الإسلاميين من يخاف منها، لخوفه على معرفته الناقصة وعلى مصالحه وعلى مسلماته المملوءة بالأخطاء، أن تهتز فلا يستطيع الدفاع عنها.

إن النقد البناء يختلف عن جلد الذات، كما يختلف عن مفهوم التشهير، لأنه نقد يدعو إلى التغيير باتجاه ما هو أصلح وأنفع للمجتمع، نقٌد من أجل التطور والتحضر والإبداع، ولهذا نحن بحاجة إلى وقفة موضوعية مع موروثنا لنقد ما هو سلبي فيه، والتقدم ببحوث جادة، تقدم رؤاها وبرامجها لتقدم المجتمع ونهضته، أما إنْ بقينا صامتين وراضين بما نحن فيه ومباركين الماضي بسلبياته ومقدسين الموروث بكل ما فيه من دون السماح بتمحيصه أو نقده، فإننا لن نتقدم ولن نتطور، وسنبقى نجتر هزائمنا ونمارس اللطميات على مآسينا، ونلعن الظلام من دون أن نوقد شمعة لتنير لنا سبيل الخلاص، من أجل ذلك كله، من أجل الإنسان والحرية والعدالة الاجتماعية ولإحياء ثقافة التشاركية بيننا وإنهاء ثقافة القطيعة ومن أجل دين يقدس الإنسان ولا يكفره ولا يذبحه ولا يستعبده ستكون رسائل التنوير.

 

الحركة التنويرية حاجة وضرورة

التنوير حالة وعي عقلانية تؤسس لنهضة المجتمع من خلال إدراك صيرورة التحول التي تعيشها المجتمعات البشرية، وهذا يتطلب فهماً معاصراً لدور الدين ووظيفته وفق المتغيرات الحياتية باتجاهاتها المختلفة، وبذلك يكون التنوير جسراً يربط المسلم ومجتمعه بالفكر والقيم الحضارية المعاصرة، (ليكون التدين الأصيل بما احتوى من قيم وثقافة وحضارة عظيمة قادراً على البقاء والاستمرار في مواجهة التطورات والتحديات التي تفرزها سيرورة التبدل التي يعاندها العقل الديني المقيد تراثياً).(4)

إن التنوير الذي نريده حتى تتحقق خطوتنا الحضارية الأولى يشبه كثيراً الصناعة التحويلية لفكر المجتمع وسلوكه من خلال نقله من الجمود إلى الحركة ومن التخلف إلى التقدم ومن الهامشية إلى الفاعلية.

فالتنوير الذي ندعو إليه يعتمد المقاصد القرآنية مصدراً والتقدم العلمي والمعرفي منهجاً، حتى يؤسس نظرية معرفية تحرك العقل الراكد، لينتج إبداعاً في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتنمية والعلاقة مع الآخر، وأسلوباً علمياً عقلياً في كيفية التصالح مع العصر.(5)

وهذا يعني أن التجديد والإصلاح الذي ندعو إليه في مجال فهم الإسلام يجب أن ينتج حركة إصلاح ونهضة حضارية في مجالات الحياة كلها، في الاقتصاد كما في الدين، في الاجتماع كما في السياسة، في فقه الأولويات كما في فقه التعاملات الدولية، وفي الحرية كما في الأخلاق.

ولنحذرْ من ربط فكرة التنوير بفرد واحد، لأن مفهوم الفردية لا يعول اليوم عليه كثيراً، فعصرنا هذا ليس عصر الأفراد، بل عصر المؤسسات والتكتلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبقاء الأمل معقوداً على المجدد الفرد، مسألة فيها مثالية عالية، واستجرار لفهم عصور سالفة انتهت صلاحيتها، فلا مهدي سيخرج ولا مسيح سينزل.

 

الفارق بين العقلانية والتجديد والتنوير

لا تشابه بين العقلانية والتنوير، ولكن هناك تكامل بينهما في إنتاج المعرفة والوعي، نعم: إن العقلانية هي نشاط عقلي للإحاطة بالمعرفة وإدراكها والوعي بمتطلباتها من أجل نهضة وتقدم ونمو بات ضرورة للمجتمع، لكن التنوير يعني الإحاطة بالدلالات المعرفية والثقافية والاجتماعية وحتى السياسية لإيجاد حلول حقيقية لا ترقيعية لها، حتى يبدأ المجتمع نهضة ثقافية وفكرية وعلمية باتت ضرورة ملحة له من خلال إرهاصات التنوير ومقدماته، ولهذا قلنا إن التنوير حاجة وضرورة.

وحينما يستحوذ الفهم التراثي على العقل ليجعله أسيراً له؛ لا يستطيع الخروج على قوالبه وتاريخانية إنتاجه، حتى إذا ما واجهته مشكلة معاصرة هرع إلى التراث باحثاً عن حلٍ لها ويجد في الخروج من أسوار التراث أثناء البحث عن حل عملية زندقة وردّة يتخوّف منها ويخوّف منها.(6)

وهذا هو الفارق الدقيق بين التجديد والتنوير؛ فالتجديد وحتى الإصلاح يجريان إصلاحات على فهم نص جرى الاجتهاد فيه من قبل، أما التنوير فيتعامل مع النص مباشرة وكأنه تنّزّل عليه اليوم، غير مهتم بالقيود والفهوم التراثية السابقة وسلطتها على العقل. ليعيد إنتاج فهم جديد معاصر وإبداع للنص متناسب مع المعارف المعاصرة والمستجدات العلمية والاجتماعية والسياسية أي مع الحداثة بكل ما تعني من معنى.

فالتنوير يعالج المشكلة بجرأة وشجاعة من دون خوف من وهم القيود التراثية وغير مقيد بصنميات المعرفة التراثية لذلك تجد الخصومة شديدة له من عبيد التراث والجاهلين بالمعرفة ومتطلبات المجتمع الضرورية.

لذلك نقول: إن التنوير هو الصناعة الثقيلة الحقيقية وليست صناعة الحديد والصلب؛ لأنه يعيد صناعة الإنسان وصوغه متسلحاً بالوعي والمعرفة والثقافة حتى يكون المجتمع منتجاً ويحقق قفزته الحضارية وتدور عجلة التنمية، فكل تنمية لا تبدأ بالإنسان هي تنمية واهمة ومتهافتة. فالفكر التنويري صناعة ثقيلة ودقيقة لن يستوعبه أصحاب الفكر التقليدي بسهولة؛ لذلك يخاصمونه بشدة لأنه زلزل مسلماتهم.

 

اليوم أمامنا فرصة تاريخية يقدمها الحراك الاجتماعي من خلال ظاهرة الربيع العربي، حتى نخاطب شبابنا ليتسلحوا بالخيار العقلاني استناداً إلى قناعة، فإن لم نقدم منهجاً جديداً في تعاملنا مع النص الديني متصالحاً مع العصر والإنسانية، فإننا نقود هذا الجيل الذي ضحى كثيراً إلى هزيمة جديدة، وجمود ثان، قد يؤخر نهضة المجتمع فكريًاً وسلوكياً، ومن ثم حضارياً؛ عقوداً طويلة، وهذا ما نخشاه إن غاب منهج العقلانية عن الممارسة.

ويجب علينا أن نحصن الشباب في مجتمعاتنا من خلل القياس النهضوي المولِّد لعلل خيرة، يحتاج علاجها إلى زمن طويل، فالشباب لدينا حائر بين ما تقدمه المدنية الغربية من ثقافة هامشية تصرف هؤلاء الشباب عن قضايا التنمية والتطوير والحداثة وحتى الدين، وما يقدمه فقهاء التقليد من أفكار عفا عليها الزمن، ولا حل إلا بحركة تنويرية تعيد هذا الجيل الذي انفتحت أمامه المجتمعات الأخرى كلها عن طريق ثورة الاتصالات المبهرة من خلال تجديد وإصلاح يجعل الحالة الدينية المتجذرة في فكر المجتمع وثقافته حالة استنهاض حضارية لا تمسخ هوية المجتمع من خلال استلاب غربي، ولا تجرُّ المجتمع إلى كهوف الماضي ليعيش منعزلاً عن العالم الذي بات قرية صغيرة.

من حركة التنوير التي تقدح شرارة الوعي والمعرفة، نجد أن الإنسان المسلم يجب عليه ألا يسمح للتخدير الديني المستخدم من بعض مشايخ الفضائيات بتغييب الواقعية عن معالجته للحوادث، كي يجعلوه أسيراً لعهد لم تعد لنا علاقة به إلا بما حمل من قيم وأخلاقيات إنسانية، ولا يقبل بأن يتحول مسخاً للمدنية الغربية لتجرده من هويته الحضارية الأخلاقية، إنما يعمل بكل جد ونشاط ليكون إنساناً رسالياً يمارس الشهود الحضاري الذي أراد القرآن الكريم أن يتصف به، حتى لا يضيع المجتمع بين الاستلابين الغربي والماضوي.

 

خطوات لا بد منها في حركة التنوير

الضابط السماوي الواجب على المؤمن أن يلتزم به، حتى يكون مؤمناً حقاً، ليساهم في بناء المجتمع البشري، لينهض به ومعه من خلال مشروع حضاري وإنساني، يدفع بنا إلى القيام بخطوات مهمة لا بد منها.

من هذه الخطوات:

أولاً: التخلص من أسر الموروث المتخلف الذي قيد المجتمع ووضع العصا في عجلاته وحرف مسيرته عن منهج النبوة.

ثانياً: الانعتاق من الانبهار بالثقافة الهامشية التي تقدمها المدنية الغربية وإهمال الثورة العلمية التي يقدمها الغرب، والقدرة على فهم وظيفة الدين ودوره في هذا العصر كي لا نصاب (بشيزوفرنيا) اجتماعية تأخذنا نحو ردّة تاريخية تؤدي إلى حالة طلاق مع عصرنا كما هي حال السلفية الجهادية اليوم.

ثالثاً: اجتهاد شجاع في النص الديني، لأن فهم النص متغير ومتبدل بحسب حاجات المجتمع وضروراته المتجددة على الدوام، فالنصوص ثابتة وهذا مما لا شك فيه، لكن الوقائع والحوادث متحولة ومتغيرة، وقياس المتحول على الثابت قياس فاسد ومسيء للثابت، فمقابلة الثابت بالمتحول ستؤدي إلى ردّة إلى الماضي، لتستلب العقل تاريخياً، ما يؤدي إلى إصابة التفكير الجمعي الديني (بشيزوفرنيا) اجتماعية مع عصره، تؤدي إلى سلوك غير طبيعي في التمييز بين متطلبات العصر، ومساكنة التاريخ توحي بعجز النص عن معاصرتها، ما يعوّق حركة المجتمع تنموياً، ويعرقل تحضره علمياً. ليس أمامنا إلا أن نجتهد في الثابت ما دام تثبيت المتحول مستحيلاً، فالعبادات لا تحتاج إلى اجتهاد، لكنّ التعاملات  تحتاج إلى اجتهادات شجاعة، لتحقق العدالة الاجتماعية التي هي روح النص الديني ومقصده الدنيوي.(7)

إذن: لا بد من ثلة تؤمن بالتنوير من أجل أن تتحقق النهضة الحقيقية، إذ تتحرك لإنهاء البلادة العقلية التي عوقت حركة المجتمع ومنعت العقلانية من العمل، حتى أصبحنا خارج دائرة حركة الشهود الحضاري، ليستعيد المجتمع رشده ويبدأ بانطلاقة حضارية إنسانية أخلاقية.

أما إن بقينا نقُدم الإسلام بالصورة ذاتها التي تقدمها الظاهرة الإسلاموية اليوم، فإن نصيبه من العالم استمرار الرفض والخوف منه، فالإسلام يقدم بصورة لا تلائم رسالته التي أرادت تحرير الإنسان من كل القيود المانعة لنهضته، والمدافعة عن إنسانيته المكرمة إلهياً، ومن أجل ذلك يجب الانتهاء من مرض القياس على اجتهادات علماء القرنين الثاني والثالث الهجريين، فهم عالجوا مشكلات مجتمعاتهم الزراعية البسيطة والرعوية ولم يكن لديهم اقتصاد معقد كما هو الحال اليوم، إنما كان الأمر في زمانهم يتطلب معالجة حالات تجارية فردية قائمة على التبادل البسيط للمنافع، ولكن الأمر اليوم اختلف بشكل كبير، وعندما نعاند الحقيقية لندعي أن هذا التراث وهذا الفقه يستطيع الاستجابة لحاجات عصرنا المعقدة، ومتطلبات المجتمعات واقتصاداتها، فإننا نظلمه ونكلفه ما لا يطيق، وهذا مسيء إلى الإسلام فلا يعلن عطالة عالميته الأخلاقية والروحية وحسب، إنما يقدمه ديناً عاجزاً عن المعاصرة، كان صالحاً يوما ما للجزيرة العربية، ولم يعد كذلك اليوم. لذلك نقول: إن التنوير بات حاجة وضرورة.

 

المراجع

  • قرآن كريم.

1 ــ كتاب مراجعات إسلامية. أحمد الرمح. دار البشير بدمشق الطبعة الأولى لعام 2007. ص:12.

2 ـــ المرجع السابق. ص: 35.

3 ــ حديث نبوي رواه الإمام أحمد.

4 ـ النص الإسلامي: بين الاجتهاد والجمود والتاريخية. الدكتور محمد عمارة.

5 ــ كتاب مراجعات إسلامية. أحمد الرمح. دار البشير بدمشق الطبعة الأولى لعام 2007. ص:75.

6 ـ قراءة في كتاب التنوير الإسلامي.. الصراع المعاصر بين الدين والعقل. موقع اسلام أون لاين.

7 ــ كتاب مراجعات إسلامية. أحمد الرمح. دار البشير بدمشق الطبعة الأولى لعام 2007. ص:91.

 

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

 

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*