الرئيسية / مقـــالات / التطرف.. انغلاق عقلي وجمود فكري

التطرف.. انغلاق عقلي وجمود فكري

لقد أحدثت ثورة الكرامة السورية هزة عميقة في نظام حكم بشار الأسد القائم على سلطة المنظومة الأمنية وقبضة الثقافة العسكرية, والشيء الظاهر للعيان أن نظام الأسد استعان برجال الأمن والعسكر لقمع الثورة السورية، فبطش بالناس بطشة جبارة حامية الوطيس, لكنها وبكل أمانة لم تكن كافية لإجبار الناس على العودة إلى بيوتهم والتخلي مظاهر الاحتجاج السلمي الغاضب.

لكن الوسائل العميقة التي انتهجها النظام لقمع الثورة السورية كانت أشد فتكاً من تلك الوسائل الظاهرية, فقد عمد النظام إلى إضرام حريقين كبيرين في أنحاء الوطن, حريق الطائفية المقيتة وحريق التطرف البغيض، اعتقاداً منه بأنه قادر على حماية نفسه بهذين التكتيكين البائسين.

فللحروب الطائفية أثر بالغ في تفكيك أواصر المجتمع وتمزيق كيان الدولة، وكذلك فإن ظاهرة التطرف تحدث نوعاً من التشنج الفكري والتوتر العصبي، مما يؤدي إلى فساد في الأخلاق وانحدار في القيم.

وفي الحديث عن التطرف لم أكن أتوقع أن ينخر التطرف كيانك يا وطني الحبيب لكنهم خدعوك عندما أوهموك أن الجنة تحت أقدام المتطرفين، وأن النصر تحت عباءة المتزمتين فصدقتهم يا وطني الحبيب عن حسن نية وطيب قلب، لأنك تريد الخلاص من المذبحة النكراء والملحمة الحمراء.

والحقيقة التي لا مفر منها أن تطرف الخطاب السياسي الذي أصاب بعض مفاصل الثورة السورية أساء إليها إساءة بالغة, ولقد ظهر التطرف في دعوات محمومة لإقامة الخلافة الإسلامية ومحاربة الغرب الصليبي, والمطالبة بتحرير القدس والجولان، وربما ذهب البعض بعيداً في المطالبة بدعم حركات التحرر العالمية، وكل ذلك بحماس غير مبرر، وربما كان متصنعا مرائيا مزايداً, وانتشرت دعوات لقتل المخالفين في الرأي والموقف وقتل العاجزين عن الانشقاق والقتل لمجرد الانتماء لطائفة أو حزب أو قتل الأطفال الأبرياء من أبناء طائفة بعينها.

ويجب الإشارة إلى أن الخطاب المتطرف موجود عند الإسلاميين والعلمانيين واليساريين والقوميين، لكن بدرجات متفاوتة، مع العلم بأن التطرف مرفوض من أي جهة كان, كما ساد الخطاب الرافض لكل شيء كرفض المبادرات ورفض الانشقاقات ورفض التحالفات وكل ذلك لمجرد الرفض, كما تمثل  التطرف في التخوين والتكفير والعمالة والتآمر، وهي تهم جاهزة مسبقا لكل مخالف في الرأي أو التوجه.

التطرف حالة من  سوء الأخلاق واللياقة المسلكية تبدو واضحة في أي مواجهة مع الآخرين وتظهر في رفع الصوت وخشونة التعبير والشد العصبي، وينمو التطرف في المناخ المغبر والمكدر، ويقتات على النزاعات والصراعات والفتن، وهو يدفع  لمزيد من التصعيد والاحتقان الخاطئ لدرجة أن التصعيد يصبح غاية بحد ذاته.

ويمتاز التطرف بالعدوانية بحيث لا يتسع حتى لأصحابه، ويتجه إلى استنزاف الأصدقاء حتى إذا لم يتبق في المشهد إلا متطرفان فإنهما خصمان مقتتلان. كما أنه حالة نفسية واجتماعية غير صحية لأنه انكماش على الذات وعزلة عن الآخرين، ولذلك ندرك أنه يؤذي أكثر ما يؤذي ذاته التي تقوقع عليها. ويتنافى مع العلم  ويخشى الحوار والانفتاح والمواجهة والتقدم  والتطور.

والتطرف عموماً منهج قائم على المزايدة والمبالغة والتهويل، وهذا النهج هو أداته ومادته لكسب التأييد والمناصرة. ولا يفرق المتطرف بين عدو وآخر بل إنه أحيانا يعادي القريب أكثر من البعيد، مبررا ذلك بدواعي الخطورة، فالعدو الداخلي أخطر من الخارجي، والعدو الذي تعرفه أهون من العدو الذي لا تعرفه، ولذلك تنشأ لديهم ظاهرة التكفير والتخوين حيث يبدو العالم كله بعد ذلك بلون واحد، لتسود لديهم ثقافة تقول: (ملة الكفر واحدة).

إن التطرف يتجافى مع الوعي بسبب محدودية الخيارات وأحادية النظرة وضيق الأفق وقصر النظر وسطحية الفكر وجمود الخطاب وحدّيّة المعايير وسوء التقدير والافتقار للتخطيط الاستراتيجي والتدرج والتنوع والمرونة والانفتاح والتأني. كما أنه ظاهرة مبنية على ردود الأفعال الحادة مما يسبب سهولة الاستدراج والوقوع في الأفخاخ. وعلى هذا فالتطرف ثقافة قائمة على الانغلاق والانكماش على مفاهيم وتصورات تكلست في زوايا التفكير يصعب خلعها فقد ينخلع جدار الذهن معها.

فالمتطرفون لا يسمعون ولا يتلقون وافدا فكريا جديداً لأنهم يخافون من التغيير ولو حضرت دواعيه. ولا أدري كيف  تكاثرت هذه الظاهرة المجتمعية المرضية سريعا في الوطن الحبيب الراقي !!!.

الكاتب والباحث السياسي: عبد الناصر محمد.

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*