الرئيسية / دراســـات / الكارثة المسكوت عنها؛ ملف التعليم السوري في دول الجوار (اليونيسيف وضغوط العودة)

الكارثة المسكوت عنها؛ ملف التعليم السوري في دول الجوار (اليونيسيف وضغوط العودة)

لعل من أشد التحديات التي تواجه اللاجئين السوريين تتجلّى في الحصول على فرص تعليم ملائم، داخل المناطق التي هُجّـروا إليها، تعوّض أبناءهم ما فقدوه من علم نتيجة فقدانهم لمدارسهم بفعل التدمير الذي طالها، طوال سبع سنوات مضت.

يعتبر التعليم ضرورة ملحّة في حالات الحروب والكوارث والطوارئ كما في حالات الأمن والسلم، شأنه شأن الطعام والدواء والمسكن. وقد أدى انهيار المنظومة التعليمية إلى دق ناقوس الخطر في أغلب المناطق السورية التي شهدت انتفاضات واحتجاجات ضد النظام القمعي الذي واجهها بكل وحشية، فطال الدمار المؤسسات والبنى التحتية جميعها، وتناثر السوريون بين المقابر والملاجئ وبدأت موجات النزوح في داخل البلاد واللجوء إلى بقية دول العالم.

منذ اللحظة الأولى التي تجاوز فيها السوريون حدود بلادهم طلباً للأمان وهرباً من آلة الحرب، وبعد أن أقاموا داخل مخيمات دول الجوار ومدنها، سعوا لمطالبة المجتمع الدولي والمنظمات الأممية لتأمين احتياجات أطفالهم لممارسة حقهم في التعلم، بوصفه حقاً إنسانياً وبنداً مهما من بنود المعاهدات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وحقوق الطفل.

أمام تلك المطالبات، إضافة إلى ادّعاء حكومات دول الجوار المستمر بعجزها عن توفير ما يلزم للاجئين السوريين وطلبها المتكرر من منظمة الأمم المتحدة تقديم الدعم المالي لها بذريعة سدّ العجز، استجابت بعض المنظمات الدولية والأهلية، على رأسها منظمة “اليونيسيف”؛ وأخذت تشرف على تمويل المنظومة التعليمية الخاصة بالسوريين داخل تلك الدول.

ولكن، شهد العام الدراسي الحالي عدداً من المتغيّرات التي طرأت على سير عمل المنظمة بالتزامن مع تطوّر الأحداث السياسية الأخيرة، لا سيما ما يتعلّق بملف عودة اللاجئين السوريين؛ فما هي تلك المتغيرات، وما هي انعكاساتها على اللاجئين في دول الجوار؟

هذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه من خلال هذه الدراسة التي تتناول واقع المنظومة التعليمية ودور اليونيسيف فيها في كل من لبنان والأردن وشمال العراق وتركيا.

  • في لبنان

يعيش السوريون عموماً واقعاً مريراً داخل المجتمع اللبناني لأسباب عدة، ولعل أهمها هو ارتباط الوجود السوري عند بعض اللبنانيين بذكريات أليمة تتعلق بثلاثين عاماً من انتهاكات جيش النظام السوري ومخابراته في بلدهم.

انعكس هذا الواقع على الأطفال السوريين الذين يشكلون نحو نصف اللاجئين الموجودين في لبنان، أي ما يزيد على نصف مليون شخص.

في بداية مراحل النزوح واللجوء، ونتيجة فقدان الطلبة السوريين معظمهم لشهاداتهم الدراسية وأوراقهم الثبوتية، جرى إخضاعهم لامتحان دخول في المدرسة التي يريدون التسجيل فيها لتحديد الصف الذي يتلاءم مع مستوى تعلّمهم وأعمارهم.

وعلى الرغم من تجهيز ما يقارب 150 مدرسة في مختلف المناطق اللبنانية لاستيعاب الطلاب السوريين، بدوام ما بعد الظهر عقب انصراف اللبنانيين من مدارسهم، إلا أن ذلك لم يحلّ أكثر من 20 في المئة من مشكلة التعليم وإلحاق السوريين بالمدارس.

أما في المدارس الحكومية الصباحية، فيتوزّع الطلبة السوريون على نحو 900 مدرسة في المدن والبلدات اللبنانية كافة، بأعداد ونسب متفاوتة، تصل في بعض المدارس إلى طالب سوري واحد مقابل 3 طلاب لبنانيين. إلا أن الأعداد تزداد بشكل ملحوظ في المناطق القريبة من الحدود السورية؛  ففي منطقة “عكار” على سبيل المثال، بالقرب من الطريق المؤدي إلى الحدود السورية، تقع مدرسة “حلبا” التي تضم 600 تلميذ سوري، فيما لا يتجاوز عدد زملائهم اللبنانيين 167[1].

كانت المساعدة المالية المقدمة من وكالات الأمم المتحدة لا تساهم إلا مساهمة بسيطة في إلحاق التلاميذ السوريين بالتعليم، إذ إنها لا تغطي سوى التسجيل، ولا دخل لها بأي مساهمة للأهالي وأولياء الأمور في صندوق المدرسة وصندوق مجلس الأهالي في المدارس الرسمية في لبنان التي يجري تسديدها مباشرة إلى وزارة التربية والتعليم العالي. والأهل هم المسؤولون عن الحرص على حضور أطفالهم برامج التعليم بانتظام؛ ودفع تكلفة المواصلات ليس جزءاً من الخدمات التعليمية التي تقدمها المدارس الرسمية لطلابها[2].

أما أكثر المسائل التي يعانيها الطلبة السوريون اليوم تكمن في إمكان تسجيلهم في المدارس داخل المدن الكبرى، لا سيما العاصمة بيروت؛ إذ راحت أغلب المدارس ترفض تسجيل اللاجئين المقيمين فيها متذرّعة بامتلاء الشواغر تارةً، وتارة بتوقّف التمويل الخاص باللاجئين السوريين؛ وتطالب أولياء الطلاب بإحضار أوراق رسمية وثبوتيات كجوازات سفر وإقامات سارية المفعول يفتقد إليها السوريون معظمهم نتيجة لجوئهم العشوائي عبر الحدود هرباً من آلة القتل.

إضافة إلى ذلك، يرفض بعض الطلبة اللبنانيين وأهاليهم مشاركة الطلبة السوريين صفوفهم لأسباب عنصرية وسياسية واجتماعية، كرّستها الحكومة اللبنانية بشكل سافر من خلال تصريحات ممثليها التي كان آخرها ما تفوّه به وزير خارجيتهم “جبران باسيل” حين شبّه السوريين بـ “قنابل موقوتة”.

وأمام ذلك الواقع المرير، جرى جهد فردي لإلحاق بعض الأطفال السوريين بمدارس “الأوروغواي” التي تدعمها حكومتها، ومنهاجها باللغة الفرنسية؛ إلا أنها لم تعد تستوعب أعداداً أخرى تفوق طاقة استيعابها[3].

أما في بلدات “البقاع” ومخيماته، فيصل عدد الأطفال السوريين خارج التعليم إلى 400 ألف طفل بحسب إحصاءات تقريبية حصلنا عليها بوساطة جهات إغاثية خاصة، وهذا العدد الخطر يحاول طمسه الإعلام والحكومة اللبنانية إضافة إلى المفوضية العامة لشؤون اللاجئين في لبنان التي تدّعي بأن كامل الأطفال السوريين ما بين سن (5- 17) المسجلين لديها ويصل عددهم إلى نحو 390 ألف نسمة؛ ووزير التربية اللبناني “مروان حمادة” يصرّح[4] بأنهم “قبلوا في العام الماضي 300 ألف طالب سوري فقط من أصل نصف مليون بينما بقي 200 ألف طالب خارج مقاعد المدارس الرسمية بسبب نقص التمويل الذي تقدمه المنظمات بينها اليونسيف”. وجاء هذا التصريح بعد مطالبة أهالي ما يقارب 40 ألف طالب امتنعت الحكومة عن تسجيلهم للعام الدراسي الحالي 2018- 2019 على الرغم من توافر الأوراق الثبوتية.

جلّ أولئك الأطفال المتسربين من مقاعد الدراسة يعملون في أشغال “البستنة” داخل المزارع اللبنانية المنتشرة على طول البقاع؛ أما في المدن فيعملون في شتى أنواع المهن ابتداءً من تجميع القمامة وبيع المناديل الورقية انتهاءً بميكانيك السيارات وأعمال البناء.

مؤخراً، بعد طرح الطرف الروسي خيار عودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم، أخذت الأطراف جميعها بالتضييق على الوجود السوري، وأول تلك الأطراف منظمة الأمم المتحدة التي سحبت الدعم الشهري عن ما يقارب 90 في المئة من العائلات السورية ما سيجبرهم على العودة بالتزامن مع منع تسجيل الطلبة السوريين الجدد في المدارس والتضييق أيضاً على المسجّلين القدامى بوسائل شتى.

  • في الأردن

ابتداءً من 2012، جرى نقل اللاجئين السوريين الذين دخلوا إلى الأردن من المعابر، إلى مخيمات رسمية للاجئين؛ حيث في مقدورهم التسجيل مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والحصول على وثيقة إثبات طلب اللجوء.

بلغ عدد اللاجئين السوريين داخل الأردن ما يقارب 659 ألف لاجئ، بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أما الحكومة الأردنية فتقول إن ثمة 643 ألف لاجئ سوري إضافي غير مُسجلين[5]. ويشكّل الأطفال ممن هم في سن الدراسة نحو نصفهم.

في المستوى التعليمي للأطفال السوريين الموزّعين داخل المدن الأردنية، يواجه بعضهم صعوبات، قد تضع إمكان متابعة دراستهم على المحك، منها عدم وجود بطاقة مفوضية، وبطاقة الخدمة الخاصة باللاجئين السوريين، أو ما يُعرف بـ”الهوية الأمنية”، وبخاصة اللاجئين الذين غادروا مخيمات اللجوء من دون وجود كفيل، ولم يقوموا بتصويب أوضاعهم القانونية حتى الآن، إذ تنص التعليمات الصادرة عن وزارة التربية الأردنية على وجوب وجود هذه الوثائق، شرطاً رئيساً لتسجيل الطلاب السوريين؛ ما يدفع الأهالي مرغمين إلى تسجيل أطفالهم في مدارس خاصة باهظة التكاليف، لا سيما خلال العام الدراسي الحالي مقارنة بالأعوام السابقة[6].

ويختلف الأمر داخل المخيمات، إذ تتوافر إمكانية التسجيل من دون تلك الشروط المفروضة خارجها، مع توافر الكتب والقرطاسية مجاناً من منظمة اليونسيف.

  • مخيم الزعتري نموذجاً

يضم المخيم اليوم ما يقارب 100 ألف نسمة، ويعتبر أكبر مخيمات اللاجئين السوريين الخمسة في الأردن، وثاني أكبر المخيمات في العالم والأول في مستوى العالم العربي والشرق الأوسط.

تعتمد الخدمات التعليمية في المخيم على عدد من المدارس داخل قطاعاته، وعددها 29 مدرسة، توفرها الهيئات الدولية والإغاثية، أهمها اليونيسيف، على الرغم من أن موضوع التعليم ليس أولوية بالنسبة إلى كثير من المنظمات التي تركز على الإغاثة والمساعدات الإنسانية.

ووفقاً لبيانات نشرتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في يوليو/ تموز 2015؛ فإن ثلث أطفال المخيم -ممن هم في سن التعليم (25 ألفا)- لا يذهبون إلى المدرسة.

وأضافت البيانات أن نحو 9500 شاب، تراوح أعمارهم بين 19 و24 عاماً، يحتاجون إلى التدريب على المهارات، وإلى فرص لكسب العيش مثل نظرائهم الأكبر سناً. وقد كان ما نسبته 5.2 في المئة من هؤلاء يرتادون الجامعة في سوريا ولكن تعينت عليهم المغادرة بسبب الصراع، ولم يتخرج منهم إلا 1.6 في المئة([7]).

  • اليونيسيف وفصل المعلمين السوريين في المخيّم

قبيل انطلاق العام الدراسي الحالي بأيام قليلة، فوجئ مئات المدرسين السوريين في مخيم الزعتري بقرار فصلهم من العمل التدريسي من دون سابق إنذار في أثناء اجتماع ضمهم مع المسؤول المباشر عن التعليم في المخيمات ومسؤولة التعليم في منظمة اليونيسف بحجة نقص الدعم والتمويل، علماً أن أبواب المدارس ما زالت مفتوحة لاستقبال الطلبة، والكادر التربوي الأردني ما زال على رأس عمله وهو من سيتولى مهمات التعليم داخل المخيم.

وكان المعلمون السوريون الذين فُصِلوا، البالغ عددهم 670 معلماً، يعملون بمسمى “معلمين مساعدين” إلى جانب المعلمين الأردنيين مقابل 10 دينار عن كل يوم دوام فعلي، أما الآن فسيضطرون إلى البحث عن مهن وأعمال أخرى بعيدة عن التعليم من أجل تأمين لقمة عيشهم في أوضاع المخيم الصعبة[8].

كما حصل في لبنان، جاءت خطوة فصل المعلمين والتضييق على تسجيل الطلبة السوريين داخل المدن، بالتزامن مع الطرح الروسي إعادة اللاجئين السوريين إلى المناطق المسيطر عليها من النظام السوري.

  • في كردستان العراق

شهد إقليم “أربيل” –كردستان العراق- موجات لجوء متقطعة منذ النصف الثاني لعام 2011، أغلبهم من منطقة الجزيرة السورية، ومن أبناء المكوّنين السوريين الكردي والعربي. وأنشئ عدد من المخيمات لاستقبال تلك الموجات، كان أولها مخيم “دوميز” في “دهوك”، ثم تلتها مخيمات أربيل والسليمانية، ليصل عدد اللاجئين اليوم ما يقارب 300 ألف لاجئ.

بالنسبة إلى الواقع التعليمي؛ فقد استحدثت المدارس بإمكانات بسيطة وكوادر متطوعة خطوة إسعافية أملاً في تدارك حرمان الأطفال من التعليم. ثم ما لبثت أن جرت المباشرة بإنشاء مدارس (كرفانات) ازداد عددها طرداً مع ازدياد عدد اللاجئين وازدياد عدد الطلاب وحاجتهم، وقد كانت معظمها مجهزة بالمستلزمات التعليمية كافة، جرى إنشاؤها من قبل منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والإغاثية العاملة في إقليم كردستان العراق، إضافة إلى توزيع القرطاسية والحقائب المدرسية واللباس المدرسي، وإن كان بصور متفاوتة بين هذه المخيمات[9].

ويبلغ عدد مدارس المخيمات خلال العام الدراسي الحالي (2018- 2019)، 31 مدرسة تغطي المراحل الصفيّة كلها، أشرفت على تمويلها خلال السنوات السابقة منظمة اليونيسيف أيضاً بشكل رئيس؛ ولم تستطع الحكومة السورية المؤقتة الإشراف عليها أو تمويلها سوى عام 2012- 2013 حين أمدّت المدارس بكتب المنهاج السوري المعدّل فقط، وامتنعت عن دفع أجور المعلمين لعدم توافر الدعم المالي اللازم بحسب وصف وزارة التربية في الحكومة المؤقتة، فاستبدل بالمنهاج السوري لاحقاً المناهج التي تُدّرَّسُ في الإقليم وهي مناهج كردية، عُرِّبت النسخ المقدمة إلى مدارس اللاجئين السوريين لتتوافق مع ثقافة اللاجئين ولغتهم العربية. ويبلغ عدد الطلبة اليوم ما يقارب 30 ألف طالب، أكثر من نصفهم داخل المخيمات، والباقون يتوزعون في مدارس مدن الإقليم.

تعتبر مشكلة التسرب الدراسي من أهم المشكلات التي تواجه القائمين على متابعة العملية التعليمية في مدن الإقليم، وهو ما يعانيه كثير من الطلاب هناك، نتيجة اضطرار أسرهم إلى العمل والاستقرار في المدن وضواحيها وبعض القرى والمزارع، ما دفع الأطفال في سن الدراسة إلى البقاء بعيداً من مقاعد الدراسة ومساعدة الأهل، بعكس أطفال المخيمات الذين يرتادون المدارس المنشأة وفق مناهج توافقهم؛ ولا يستطيع الأهل تأمين وسائط لنقلهم إلى المدارس لما له من عبء مادي عليهم، ثم إن مدارس الإقليم لم تستقبلهم بداية إلى أن جرى تدارك الأمر بإصدار قرار يسمح لهم بالدراسة فيها؛ وعلى الرغم من ذلك بقي الالتحاق بها ضعيفاً نتيجة المناهج التي تدرّس باللغة الكردية، ما يشكّل صعوبة على الطلبة من أبناء المكوّن العربي.

وبالحديث عن اليونيسيف أيضاً، فقد سحبت المنظمة الأممية يدها مؤخراً من دعم مدارس المخيمات التي كانت تعلّم باللغة العربية، لتحلّ محلها مناهج الإقليم ذات اللغة الكردية، ما دفع نحو ألفي عائلة إلى الاحتجاج أمام مقر مكتب الهيئة العامة للأمم المتحدة والمطالبة بإعادة المنهاج باللغة العربية، من دون جدوى[10].

ويبدو أن عجلة التضييق على الطلبة السوريين وذويهم، من قبل المنظمات الأممية، وصلت أيضاً إلى إقليم كردستان العراق، لتواكب ما حصل في لبنان والأردن مؤخراً، تزامناً وتماشياً مع طرح الطرف الروسي إعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم المدمّرة وتحت سيطرة حليفه، النظام السوري.

  • في تركيا

أما في تركيا، فما تزال منظمة اليونيسيف مستمرة في دعم الطلبة والمدارس والمعلمين السوريين داخل المخيمات والمدن التركية، على الرغم من إنجاز خطّة دمج الطلبة السوريين في المدارس التركية.

فما يثير الانتباه هو أن المنظمة، وبالتزامن مع فصل المعلمين السوريين في الأردن بحجة ضعف التمويل، قامت بزيادة مرتبات المعلمين العاملين بصفة “متطوعين” داخل المدارس السورية المؤقتة والمدارس الحكومية التركية، البالغ عددهم أكثر من 13 ألف معلّم، وعلى الرغم من أن تلك المرتبات (المنح) لا تغطّي متطلبات المعيشة داخل المدن التركية (300 دولار تقريباً) إلا أنها تشكّل أملاً لدى المعلمين السوريين بعدم التخلي عنهم أو فصلهم كما حدث في دول الجوار الأخرى؛ وبخاصة بعد توزيعهم على المدارس الحكومية التركية بوصفهم معلمين للّغة العربية ومبادئها للطلبة الأتراك، وللإشراف على الطلبة السوريين الذين جرى دمجهم مؤخراً في تلك المدارس.

وقد أدخلت الحكومة التركية اللغة العربية مادة أساسية على المنهاج التركي الرسمي، لا سيما في مدارس (الأئمة والخطباء) التي تشكّل المواد الدينية الإسلامية فيها حوالى 75 في المئة.

وبعملية فرز المعلمين السوريين على المدارس الحكومية، مع إدخال اللغة العربية ضمن مناهجها، سادت حالة من الارتياح النسبي داخل وسط الكوادر التعليمية التي بقيت تتخوّف من احتمال التخلّي عنها بعد إغلاق المدارس السورية المؤقتة كما حصل مع أقرانهم في الدول الأخرى، وأيضاً داخل الأوساط الطلابية وذويهم الذين تخوّفوا سابقاً من مصير اللغة العربية وضياعها لدى أبنائهم بعد الدمج.

ويبدو أن الأعداد الضخمة للّاجئين السوريين داخل تركيا (ما يقارب 4 ملايين لاجئ) التي تشكّل أعلى نسبة لاجئين في العالم، إضافة إلى الدور التركي الحساس في الملف السوري، وأيضاً تحكّمه في عملية اللجوء إلى دول أوروبا وكبحها، كان له الدور البارز في استمرار دعم منظمة اليونيسيف ومفوضية الاتحاد الأوروبي لملف التعليم السوري، وعدم الضغط على اللاجئين السوريين الرافضين للمطلب الروسي بإعادتهم في ظل وجود النظام السوري، وخلق حالة من الاستقرار النسبي داخل تركيا يحول دون تهديد دول أوروبا بموجات جديدة للاجئين السوريين في حال توقيف الدعم.

  • ختاماً

يُرجّح أغلب المتابعين والعاملين في الشأن التعليمي السوري داخل الدول التي تناولناها أن خطوة سحب التمويل التي انتهجتها منظمة اليونيسيف وانعكاساتها السلبية على المنظومة التعليمية، تصبّ بالدرجة الأولى في مصلحة النظام السوري الذي يسعى جاهداً -من خلال حليفه الروسي- إلى إعادة جزء من اللاجئين السوريين، بشتى الطرائق والوسائل، ليوهم العالم أنه انتصر في حربه على الإرهاب، وأعاد الأمن والأمان إلى البلاد، لذا فإن عودة السوريين (التي يحاول إظهارها للعالم بأنها طوعية) ما هي إلا نتيجة وتتويج لانتصاراته.

يشير آخرون إلى الدور الذي تلعبه حكومات تلك الدول في تعاطيها مع المنظمة الأممية؛ إذ يؤكد بعضهم أن منظمة اليونيسيف لا تستطيع ممارسة عملها داخل تلك الدول إلا بالتنسيق مع حكوماتها. وكذلك الأمر، فهي لا توقف عملها إلا بأمر أو بموافقة من تلك الحكومات في حال تمكنت الأخيرة مثلاً من تسيير شؤون اللاجئين على نفقتها الخاصة من دون الحاجة إلى المنظمة، أو بانتهاء الحالة الطارئة التي استوجبت تدخلاً لعمل المنظمة ودعمها، ونقصد هنا الحالة السورية.

إلا أن واحداً من هذين الشرطين الأخيرين لم يتحققا لوقف الدعم والتمويل عن ملف التعليم السوري، ما يرجّح تحميل أنظمة دول اللجوء المجاورة وحكوماتها المسؤولية المباشرة في التضييق على السوريين المقيمين داخل المخيمات على وجه الخصوص، ودفعهم إلى مغادرة البلاد إلى مناطق سيطرة النظام السوري، فقط للمحافظة على مستقبل أبنائهم التعليمي، من دون الاكتراث للمصير الفجائعي الذي ينتظرهم داخل “حضن الوطن”.

المراجع:

[1] – فرانس 24، تقرير بعنوان “في المدارس اللبنانية، المساء للأطفال السوريين”، الرابط: http://soo.gd/lIFC

[2] – موقع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين- لبنان، تقرير بعنوان “أسئلة وأجوبة حول العودة إلى المدرسة”، الرابط: http://soo.gd/y8OE

[3] – جرت تلك المحاولة بجهد السيدة “رنيم إبراهيم” في بيروت، وهي سيدة سورية متطوعة في العمل الإغاثي والتعليمي مقيمة في لبنان.

[4] – شبكة سمارت الإخبارية، تقرير بعنوان “الحكومة المؤقتة”: 40 ألف طالب سوري ينتظرون قبولهم في مدارس لبنان الرسمية”، ميس نور الدين، 22/10/2018، الرابط: http://soo.gd/5zFy

[5] – شبكة عمّون الإخبارية، تقرير بعنوان “لاجئون السوريون في الأردن: الحقوق والقلق الأمني والديموغرافي”، 28/4/ 2018، الرابط: http://soo.gd/uKqu

[6] – جيرون، تقرير بعنوان ” تعليم السوريين في الأردن” للكاتب عاصم الزعبي، 10/10/2018: https://geiroon.net/archives/134947

[7] – الجزيرة نت، “الزعتري أكبر مخيمات اللجوء”، الرابط: http://soo.gd/UkB7)

[8] – زمان الوصل، تقرير بعنوان “يونيسيف توقف مئات المدرسين في مخيم “الزعتري” عن العمل”، 25/7/ 2018، الرابط: http://soo.gd/23EA)

[9] – مركز حرمون، دراسة بعنوان: “وضع اللاجئين السوريين التعليمي في إقليم كردستان العراق” للكاتبة فدوى حسين، 6/3/2018.

[10] – برنامج مصوّر شارك به الكاتب في تلفزيون “سوريا” بعنوان “احتجاج الطلاب السوريين في أربيل”، 10/10/ 2018: https://bit.ly/2z6TIGh

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*