الرئيسية / دراســـات / خيارات ميليشيات الحماية المستقبلية

خيارات ميليشيات الحماية المستقبلية

تطورات متسارعة تشهدها منطقة شرق الفرات، فمع اقتراب العملية التركية من دخولها حيز التنفيذ، وتصاعد حدة تصريحات القادة الأتراك حول رغبتهم في القضاء على ميليشيات الحماية، والقرار الأمريكي المفاجئ بالانسحاب من سوريا، اندفعت ميليشيات الحماية YPG وقادة من “حزب العمال الكردستاني” لإجراء جولات مكوكية في دمشق وحميميم، والاستعانة بمصر للتوسط لهم عند النظام في محاولة لتحصيل مكاسب قد تبعد عنهم شبح سقوط المنطقة، كما جرى قبل أشهر في عفرين حين رفعت روسيا يدها عنهم وقررت الولايات المتحدة اتخاذ موقف الحياد من العملية التركية التي عرفت باسم “غصن الزيتون”.

العلاقة بين ميليشيات الحماية والأمريكيين وانعكاسها على تركيا

مع سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة في سوريا وتوغله بالمنطقة الشرقية، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن تشكيل تحالف دولي للقضاء على التنظيم بمشاركة دول غربية وعربية، وقد تعاونت في تنفيذ ذلك على الأرض مع ميليشيات الحماية YPG الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي.

بدأت واشنطن بتقديم جميع أنواع الدعم للميليشيات وساعدتهم في تشكيل مجالس عسكرية ومدنية، الأمر الذي أثار استياء تركيا التي تعتبر الـ YPG ذراعاً سورية لـ “حزب العمال الكردستاني” وخطراً يهدد أمنها القومي، وفي محاولة أمريكية لتخفيف حساسية تركيا عمدت إلى دفع الميليشيات لتشكيل تحالف عسكري أُطلق عليه اسم “قوات سوريا الديمقراطية” و يضم مجموعة من الفصائل العربية الموالية لـ YPG، وتلك التي ترى أن مصلحتها معهم من أجل استعادة مناطقهم التي يسيطر عليها تنظيم الدولة.
استطاعت الـ YPG السيطرة على مناطق واسعة في شرق الفرات كما امتد نفوذها إلى المناطق العربية وسيطرت على مدينة الرقة ومنبج وأجزاء من دير الزور وبات الشريط الحدودي مع تركيا الممتد من أقصى شمال شرق سوريا حتى مشارف مدينة جرابلس تحت سيطرتها.
استمرت الولايات المتحدة في تجاهل المطالب التركية الداعية لوقف دعم الميليشيات باعتبارها “منظمة إرهابية” بنظر أنقرة إلا أن واشنطن لطالما عبّرت عن تفهمها للمخاوف التركية وأكدت بالوقت نفسه رفضها وقف الدعم.

تخلٍّ سابق عن ميليشيات الحماية

توقع “روبرت فورد” سفير الولايات المتحدة سابقاً لسوريا في مقالة له كتبها قبل عام أن يدفع “الأكراد” ثمن ثقتهم ببلاده حيث قال “إن الأكراد سيدفعون غالياً ثمن ثقتهم بالأمريكيين، وإن الجيش الأمريكي يستخدمهم فقط لقتال (داعش) ولن يستعمل القوة للدفاع عنهم ضد قوات النظام السوري أو إيران وتركيا”.

ومع حسم تركيا قرارها في بدء العملية العسكرية على مدينة عفرين شمال غرب حلب في كانون الثاني من العام الحالي، خرجت واشنطن بشكل مفاجئ لتعلن على لسان الكولونيل “ريان ديلون” تخليهم عن منطقة “عفرين” كونها لا تقع ضِمن مسؤوليتهم، وهذا ما أكده أيضاً قائد القيادة المركزية بالجيش الأمريكي “الجنرال جوزيف فوتيل” حين قال إن تركيا أطلعتهم على عمليتها العسكرية وأكدوا لها أنها لا تُمثِّل أهميةً خاصةً لهم.

الموقف الأمريكي تجاه عملية عفرين شكل صفعة غير متوقعة للميليشيات، فرفع واشنطن يدها عن المدينة يعني انهيار مشروع الـ YPG في وصل شرق سوريا مع غربها، إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بل رفعت روسيا الحليف الثاني الغطاء عن عفرين بموجب تفاهمات مع تركيا، وقامت بسحب الشرطة العسكرية التي كانت تتمركز في معسكر كفر جنة، وانتهت عملية “غصن الزيتون” دون مشاكل تذكر بتحقيق كامل هدفها.

ميليشيات الحماية تبحث عن بدائل لملء الفراغ الأمريكي

قررت الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من سوريا وذلك في تغريدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقول فيها إن بلاده نجحت في القضاء على تنظيم الدولة.
وأثار الإعلان الأمريكي المفاجئ تخبطاً في صفوف ميليشيات سوريا الديمقراطية التي سارعت في نشر بيان تقول فيه إن الانسحاب سيؤثر سلباً على “حملة مكافحة الإرهاب”، كما أنه سيعطي “الإرهاب” وداعميه ومؤيديه، زخماً سياسياً وميدانياً وعسكرياً للانتعاش من جديد.
بدأت الميليشيات بالبحث عن بدائل لملء الفراغ الأمريكي والذي سيكون إحدى نتائجه سقوط مناطقهم أمام الحملة العسكرية التركية، حيث أكد “آلدار خليل” الرئيس المشترك لحركة المجتمع الديمقراطي، أن مسؤولين من ميليشيات الحماية توجهوا إلى موسكو الأسبوع الماضي وسيقومون قريباً بزيارة أخرى على أمل أن تضغط روسيا على النظام السوري للقيام بواجبه في حماية شرق الفرات .
وأرسل حزب العمال الكردستاني PKK، وفداً إلى العاصمة دمشق وآخر إلى قاعدة حميميم الروسية، من أجل مناقشة تسليم مناطق الـ YPG مقابل منع أي عملية تركية، إلا أنه لم يتم التوصل لنتيجة حتى الآن حيث يرفض النظام تقديم أي تنازلات للوفد وطالبهم بأن يكونوا حراساً للنفط.
رفض النظام تقديم أي تنازلات دفع الميليشيات إلى التوجه نحو مصر حيث كشفت الرئيسة المشتركة للهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية “إلهام أحمد” عن رعاية المخابرات المصرية لمفاوضات بين النظام السوري وميليشيات الحماية هدفها التوصل لحل يحمي مناطق شرق سوريا من السقوط .
وأكد القيادي في “الحزب الديمقراطي الكردستاني”، شاهين أحمد أنه في حال ترك أمر شرق الفرات بيد الـ PKK فإن الأرجحية ستكون لتسليم كل المناطق للنظام والميليشيات الإيرانية، وإذا أدركت قيادات الـ PKK بأن الحرب مع تركيا في منطقة شرق الفرات لا مفر منها، وأن النتيجة معروفة ومحسومة لصالح تركيا نظراً لعدم وجود تكافؤ في الإمكانات العسكرية، ستقوم قيادة PKK بإعادة تسليم الأمانة إلى النظام.

السيناريوهات المحتملة

التشارك في إدارة المنطقة مع باقي المكونات
عرضت الولايات المتحدة الأمريكية على ميليشيات الحماية القبول بدخول قوات “بيشمركة روج آفا” إلى سوريا والانتشار في المناطق الحدودية لتجنيب المنطقة أي عملية عسكرية.
وبحسب المصادر فإن العرض يتحدث عن انتشار لقوات البيشمركة في المناطق الكردية بدلاً من ميليشيات الحماية وانتشار قوات النخبة التي يقودها “أحمد الجربا” في المناطق ذات المكون العربي والتركماني مثل منبج وتل أبيض ورأس العين.
ومع استمرار تركيا بحشد قواتها على الحدود قد تلجأ ميليشيات الحماية للقبول بالعرض الأمريكي لحماية مكتسباتها وخاصة أنه لا يزال سارياً ،وأن أمريكا تمانع دخول النظام إلى منبج وشرق الفرات، ووجهت للميليشيات الإيرانية الأسبوع الفائت أكثر من ضربة.
و أكد “فؤاد عليكو” القيادي في المجلس الوطني الكردي السوري أن “مشروعاً طُرح على تركيا وإقليم كردستان لنشر قوات بيشمركة روج آفا وقوات تيار الغد المعروفة بـ (النخبة) التابعة لأحمد الجربا على الحدود مع تركيا بدلاً من ميليشيات الحماية” ولا يزال وارداً.
وتتكون قوات بيشمركة “روج آفا” من مقاتلين أكراد سوريين نزحوا إلى “كردستان العراق” بسبب ممارسات ميليشيات الحماية، وقامت وزارة البيشمركة هناك بتدريبهم.

اتفاق مع النظام والروس على رفع أعلامهم وتسليم آبار النفط
تشدد روسيا على ضرورة أن يسيطر النظام السوري على المناطق التي ستنسحب منها أمريكا، إذ قالت ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية: “ينبغي أن تكون الحكومة السورية هي التي تسيطر على كامل المنطقة التي من المقرر أن تنسحب منها القوات الأمريكية”.
احتمالية قبول الميليشيات بتسليم مناطقهم إلى الروس والنظام بات وارداً جداً حيث أكد “بدران جيا كرد” عضو وفد الميليشيات الذي توجه إلى موسكو لطلب الدعم أن “المناطق الشمالية والشرقية هي جزء من سوريا وحماية حدود هذه المناطق هي من مسؤولية الدولة السورية”.
كما أن آلدار خليل أكد في حديث صحفي أنه لا يوجد مانع من انضمام “ميليشيات الحماية” إلى جيش النظام السوري لكن وفق تفاهمات محددة .
وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان المقرب من ميليشيات الحماية أن الأخيرة باتت خياراتها محدودة بعد الانسحاب الأمريكي وتأكيد الفرنسيين أنهم غير قادرين على المساعدة دون التشاور مع بقية الحلفاء، لذلك فقد يستعينون بالنظام السوري ومن خلفه الروس لقطع الطريق أمام الأتراك إلا أن ضعف موقف الميليشيات سيستغله النظام ويفرض شروطه عليهم وأبرزها السيطرة الكاملة عسكرياً وأمنياً وإدارياً.

اتخاذ قرار المواجهة
قد تتخذ ميليشيات الحماية قرار المواجهة العسكرية مع تركيا والجيش الوطني السوري منفردةً دون أي غطاء، وذلك في حال انسحبت الولايات المتحدة من شرق الفرات دون تنسيق معها، ثم فشلت مفاوضاتها مع النظام السوري بإيجاد مخرج.
المؤشرات الميدانية الأخيرة وتحركات ميليشيات الحماية لا تظهر وجود رغبة في اتخاذ قرار الحرب والدخول بمواجهة مباشرة مع الجيشين التركي والوطني السوري، وخاصةً بعد معركة عفرين التي استمرت قرابة شهر ونصف خسرت فيها الميليشيات مناطقها والمئات من جنودها.

مطلع الأسبوع الماضي بدأت ميليشيات الحماية بإخلاء بعض مواقعها في ريف الرقة حيث أكدت مصادر ميدانية أن أعداداً كبيرة من الميليشيات وأكثر من ثلاثين سيارة انسحبت من معبر تل أبيض الحدودي مع تركيا باتجاه بلدة عين عيسى في ريف الرقة الشمالي.

 

خلاصة: في ظل المعارضة الأمريكية لدخول قوات النظام السوري إلى منبج وشرق الفرات، والشروط القاسية التي يضعها النظام على ميليشيات الحماية ومن بينها الانضمام إلى جيشه وتسليم آبار النفط وإنهاء “الإدارة الذاتية”، وبالنظر إلى عدم قدرة الميليشيات سابقاً على التصدي للحملة التركية في عفرين، فمن المرجح أن تضطر لاحقاً للانسحاب من بعض المناطق ذات الأغلبية العربية مثل منبج وتل أبيض لصالح المكونات العربية، وتتقلص إلى المناطق ذات الأكثرية الكردية وتسعى إلى إيجاد آلية تنسيق مع مكونات شرق الفرات.

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*