الرئيسية / مقـــالات / إعادة التموضع الأمريكي في العالم

إعادة التموضع الأمريكي في العالم

منذ منتصف ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، ظهرت ملامح استراتيجية أمريكية جديدة، فيما يتعلق بأولويات الأمن القومي الأمريكي، وذلك بعد مراجعات عديدة قام بها العديد من مراكز الأبحاث الأمريكية، خصوصاً تلك المقرّبة من دوائر صناعة القرار في واشنطن، والتي تسهم بشكلٍ رئيس في عملية اتخاذ القرارات داخل البيت الأبيض، ودوائر فاعلة أخرى (البنتاغون، ووزارة الخارجية، ووكالة الاستخبارات المركزية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي)، وقد أوضحت دراسات عديدة أجريت بعد عام 2007، أنه من الضروري إعادة النظر في أولويات الأمن القومي، خصوصاً بعد أن كان الإرهاب على قائمة الأولويات، منذ أحداث سبتمبر/ أيلول 2001.

ليست فقط التكلفة الكبيرة للحرب على الإرهاب، المالية والبشرية، كانت وراء إعادة حسابات الأمن القومي، وليس أيضاً نتيجة استجابة لمنتقدي استراتيجية الحرب على الإرهاب من نوّاب وخبراء، فهذه أمور يمكن التعامل معها، بل والاستفادة منها بطريقة أو بأخرى، بل نتيجة صعود موقع الصين المخيف في النظام العالمي، وزيادة الصين لأهدافها في الخطط الخمسية الصينية العاشرة (2001-2005) كانت الصين قد خطّطت لتحقيق ناتج محلي إجمالي قدره 12.5 مليار يوان، لكنها فعلياً حققت 18.2 مليار يوان، كما ارتفع اليوان 6% في عام 2007 أمام الدولار، وهو ما يعكس استحواذ الصين، خلال تلك الفترة، على مساحات جديدة من سوق العمل الدولي.

مع مجيء الرئيس الأسبق باراك أوباما، كانت نصائح عديدة قد وضعت أمامه، من أجل إيلاء الصين أهمية متزايدة للمنافسة الصينية، التي راحت تشتد مع الولايات المتحدة، خصوصاً أن الصين أصبحت منافساً قوياً في مجال التكنولوجيا عالية الدّقة، كما أنها تولي أفريقيا اهتماماً خاصاً، في مجالات الاستثمار، بالإضافة إلى طموحها في ربط الصين بالعالم، عبر ما يعرف ب “طريق الحرير الجديد”، وهو المشروع الذي كشفت عنه النقاب لاحقاً في عام 2013.

في الوقت ذاته كانت موسكو تعمل على إنجاز أوضاع جديدة داخل مؤسساتها وجيشها، مع استفادتها من ارتفاع أسعار النفط، حيث ارتفع سعر برميل النفط بين 2000 و2008 إلى حوالي 130 دولار، وبدأ الكرملين يخطط لتعزيز مكانة روسيا في العالم، بعد أن أزاح الرئيس بوتين عن طريقه دعاة التماهي مع أوروبا، والذين شغلوا مناصب مهمة في مؤسسات الدولة الكبرى، خصوصاً في وزارة الخارجية، واستعاض عنهم بخبرات ذات ميول قومية، تتناسب مع فلسفته السياسية.

الاهتمام الأمريكي بالصين أولاً، ومحاولة احتوائها، ومتابعة التقدم الروسي، فرض على الرئيس أوباما اتباع سياسات انكفائية عن ساحات قديمة، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، وقد اتخذ خطوات مخالفة للعلاقات التاريخية مع حلفاء أمريكا في الخليج العربي، وإنهاء الملف النووي مع إيران، لمصلحة الالتفات نحو آسيا، وبحر الصين، وتنمية التعاون أكثر مع الدول المحيطة بالصين، وتحديداً اليابان وكوريا الجنوبية، خصوصاً مع عودة اليابان بقوّة إلى تصنيع السلاح، وتطوير الجيش، بالشراكة مع الولايات المتحدة، وتحتل اليابان اليوم موقعاً متقدماً في تصنيف الجيوش (المرتبة السابعة عالمياً في 2018).

وفي عهد الرئيس ترامب، هناك ضغوط كبيرة تمارسها واشنطن على بكين، من خلال الحرب التجارية والضرائب، والتي وصلت إلى مستوى غير مسبوق، وهو ما يؤكد أن ترامب يمضي في استراتيجية سلفه أوباما، القائمة على مواجهة خطر الصعود الصيني، وهو ما يجعله أقل رغبة في التعاطي مع ملفات أخرى، أو التعاطي معها بطريقة مغايرة للتعامل الأمريكي التقليدي، وهو ما يضعه، كما وضع سلفه أوباما، في مواجهة مع طبقة الجنرالات والخبراء في البنتاغون، والذين يرون أن الانسحاب العسكري من بعض الساحات القديمة، أو المشتعلة، سينعكس على موقع أمريكا في العالم.

إن إعادة التموضع الأمريكي في العالم، في مواجهة الصين، مهما بدا مهمّاً، لمستقبل أمريكا واقتصادها، لكنه يحمل في طياته مخاطر كبيرة، وقد تكون كلفته باهظة، وهو الرأي الذي يعتقد به البنتاغون، وعدد كبير من الديبلوماسيين في واشنطن، وفي وزارة الخارجية الأمريكية، حيث أن تراجع الهيمنة العسكرية من شأنه أن يقلل من قدرة أمريكا على ضبط السياسات العالمية، ويزيد من فرص الخصوم، في تحقيق مواقع متقدمة.

المصدر: العدد الثالث من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*