الرئيسية / مقـــالات / ما الذي تريده إيران من نفوذها الطائفي في سوريا؟

ما الذي تريده إيران من نفوذها الطائفي في سوريا؟

 

حسن النيفي

شاعر وكاتب سوري

لا تختلف المؤسسة الدينية في سوريا عما سواها من مؤسسات الدولة، من حيث الوظيفة الموكلة إليها، والتي تتمحور حول تبرير سلوك السلطة، وتضافرها مع المؤسسات الحكومية الأخرى لإعادة إنتاج النظام، وبالتالي فإن المعايير الناظمة للعمل في تلك الكيانات السلطوية هي درجة الولاء للحاكم بالدرجة الأولى، وليست معايير الكفاءة العلمية أو المهنية.

ولكن ما هو مؤكد، أن الولاء المطلق للنظام، من قبل أي مسؤول في دولة الأسد – لن يكون عاصماً له من سخط الحاكم، بل إن هذا الولاء، حتى لو وصل إلى مرحلة التماهي المطلق، لن يحمل صفة الديمومة، بل إن ديمومته تتحوّل إلى نقيضها في اللحظة التي يخطئ المتملّق في طريقة تأدية تملّقه، إذْ لم تشفع لمحمود الزعبي – رئيس الوزراء الأسبق – معانقته ومداعبته لحصان الباسل إبان موته عام 1994، وبكاؤه الشديد على مرأى أعين حافظ الأسد، من مصيره المأسوي الذي انتهى إليه، وكذلك كانت نهاية غازي كنعان، الذي كان اليد الضاربة لنظام الأسد في لبنان، والقائمة تطول، ولعل في هذا السياق ذاته، يندرج قرار سلطات دمشق بتنحية (مأمون رحمة) خطيب المسجد الأموي، حين لمْ يُحسنْ إخراج فقرته

المدعو مأمون رحمة هو من أكثر رجال الدين دفاعاً عن إيران وميليشياتها الطائفية، وكذلك من أكثر المؤيدين للتوغل الطائفي الإيراني في سوريا

التشبيحية على المنبر، زاعماً أن طوابير الناس على محطات الوقود هي أشبه برحلات ترفيهية للمواطنين، على الرغم من استماتته في الدفاع وبقوة، عن ممارسات النظام، وجهده الدؤوب في تبرير أي مأزق للسلطة من شأنه أن يثير ردّات فعل لدى الجمهور العام.

اللافت للانتباه أن المدعو مأمون رحمة هو من أكثر رجال الدين دفاعاً عن إيران وميليشياتها الطائفية، وكذلك من أكثر المؤيدين للتوغل الطائفي الإيراني في سوريا.

في الثامن والعشرين من نيسان الفائت، سلّطت قناة تلفزيون سوريا، من خلال برنامج ( الصالون  السياسي) الضوء على ملابسات تنحية المدعو مأمون رحمة، بغية استجلاء الأسباب والدواعي الحقيقية لذلك الإجراء، من خلال استضافة البرنامج لثلاثة من الضيوف هم السادة: (مطيع البطين – حسن الدغيم – عبد السلام الشقيري)، وفي الوقت الذي أفاض فيه السادة الضيوف وأجادوا في الحديث عن علاقة السلطة بالمؤسسات الدينية، وكذلك عن تبعية الهيئات الدينية الرسمية لسلطة رجال المخابرات، فضلاً عن تحول المراكز الدينية إلى مناطق نفوذ وصراع مصالح، وبعيداً عن التفاصيل، فإن النقطة الأهم التي طرحها مدير البرنامج الأستاذ (عمر شيخ إبراهيم) في القسم الثاني من البرنامج، هي مسألة توغّل النفوذ الإيراني في المؤسسات الدينية السورية، وهيمنتها على العديد من رجال الدين السوريين، باعتبار هذه المسألة من أبرز مظاهر المدّ الشيعي في سوريا.

 فما الذي تريده إيران من وراء نفوذها الطائفي في سوريا؟ وهل المسلمون السوريون وحدهم معنيون بالقيمة الرمزية للجامع الأموي؟

 وفي سياق مناقشة هذه المسألة، أشار أحد ضيوف البرنامج إلى الفرق بين مفهوميْ (التشيّع – التشييع)، مؤكداً أن مكمن الخطر هو في ممارسة (التشييع) الذي يستهدف (الهوية)، وعلى الرغم من أهميّة هذه الإشارة، إلّا أن مفهوم الهوية (المُستَهدَفة) لم يكن واحداً، وفقاً لتصورات الضيوف، إذ يرى السيد (عبد السلام الشقيري) أن مفهوم الهوية إنما يكمن في إطارها الديني المذهبي، أي إن إيران تستهدف المسلمين السنة، وبهذا يكون المدّ الشيعي الذي تدفع به إيران إلى المنطقة إنما  يستهدف الإسلام السني دون سواه، وهذا يعني أيضاً، أن المشروع الإيراني لا يتجاوز التخوم الدينية لشعوب المنطقة، وبناء على هذا التصوّر، ينبغي أن يكون الردّ على الخطر الإيراني المحصور بالحيّز الديني – وفقاً لضيف البرنامج – بردٍّ ينطلق من الحيّز الديني ذاته، أي إن طبيعة الصراع بين إيران والثورة السورية، والثورات الشعبية الأخرى، هو صراع ديني مذهبي يمكن اختزاله على أنه مواجهة بين (السنّة والشيعة).

تتمحور سلبية هذا التصوّر في كونه مُؤسّساً ومُنبثِقاً في الوقت ذاته، من قناعات إيديولوجية لا تحاول قراءة الأحداث كما هي في الواقع، بقدر ما تمتح من اليقينيات القارّة في الوجدان العام.

في حين أكد ضيف آخر (مطيع البطين) على أن المُستهدف هو (الهوية السورية) بكل مفرداتها الدينية والديموغرافية والاجتماعية.

وما كان غائباً عن تصورات السادة المتحاورين – كما أعتقد – أمران، الأول هو عدم التمييز بين الإيديولوجيا الشيعية كعامل استثماري في خدمة المشروع القومي الإيراني، وليس هدفاً بذاته. والثاني يتجسد في عدم ربط التوغل المذهبي الشيعي في سوريا بالاستراتيجية العامة للمشروع الإيراني، ذلك أن نزوع إيران الطائفي في سوريا لم يكن وليدَ انطلاقة الثورة السورية في آذار 2011، بل بدأت تجلياته الفعلية قبل ذلك بكثير.

واقع الحال يؤكّد أن ممارسات إيران في سوريا هي جزء من الاستراتيجية التي أسس لها نظام ولاية الفقيه منذ وصول الخميني إلى السلطة 1979 ، وتتقوّم هذه الاستراتيجية على فكرة الهيمنة على دول المنطقة من خلال التدخّل المباشر وغير المباشر (تصدير الثورة)، وقد بدأت الترجمة العملية الأولى لهذه الفكرة من خلال الرغبة الجامحة لدى الخميني، فور وصوله للسلطة، إلى إسقاط

نزوع إيران نحو التدخل وإحكام السيطرة على سوريا والعراق واليمن ولبنان، يجسّد بكل وضوح مشروعاً قومياً فارسياً

نظام الحكم في العراق، وتمكين حزب الدعوة العراقي من قيادة العراق، الذي سيكون بوابة إيران إلى دول الخليج، إلّا أن عدم قدرة إيران على تحقيق ذلك الحلم بعد حرب استمرت ثماني سنوات (1980 – 1988)، لم يجعله لاغياً بالنسبة لنظام الملالي، بل ظهر بكل تجلياته بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي أصبح بمثابة حديقة خلفية لإيران.

نزوع إيران نحو التدخل وإحكام السيطرة على سوريا والعراق واليمن ولبنان، يجسّد بكل وضوح مشروعاً قومياً فارسياً، يتقوّم على حاملين إثنين، وهذان الحاملان هما مجرّد وسيلتين وليستا هدفاً بحدّ ذاته:

أ – الإيديولوجية الدينية، وتحديداً (الشيعية) والتي تبدو ضرورية جداً، كعامل شحن وتحريض، فضلاً عما تمتاز به هذه الإيديولوجية من سمات الانصياع والاستجابة الواجبة للمرجعيات، واستلهام المظلوميات التاريخية، سواء منها الصحيحة أو الزائفة.

ب – الخطاب السياسي الذي يلتحف بشعارات تحرير فلسطين والعداء للصهيونية وأمريكا والغرب الاستعماري، والوقوف إلى جانب القضايا العربية والإسلامية.

ومن الجدير بالذكر أن إيران كانت تتخلّى عن هذين الحاملين بكل سلاسة عندما توجب مصلحتها ذلك، وهذا ما حدث عام 1986، فيما أُطلق عليه صفقة (إيران كونترا)، حين قامت إيران بشراء كميات أسلحة من إسرائيل (الشيطان الأكبر)، من أجل الاستمرار في حربها على العراق.

ما تقدّمه إيران من دعم مطلق للنظام الطائفي في دمشق، هو استمرار فعلي لنهجها الرامي إلى الهيمنة على سوريا، وليس حرصاً على آل الأسد، كما أن استخدامها للميلشيات الطائفية والخطاب الإيديولوجي الشيعي للتوغل في نسيج الدولة السورية ليس الهدف منه انتصاراً لمذهب ديني شيعي أو سواه، بقدر ما هو توظيف واستثمار لهذه الإيديولوجيا بكل محتوياتها، لخدمة المشروع القومي.

إشارة مدير البرنامج الأستاذ عمر إلى رمزية الجامع الأموي لدى جميع السوريين وليس المسلمين فحسب، واستشهاده بخطبة ألقاها المرحوم فارس الخوري إبان مرحلة الانتداب الفرنسي، من على منبر هذا المسجد، كانت تدفع باتجاه الحديث نحو مفهوم للهوية يتجاوز الحيّز الديني، إلّا أن هذه الإشارة لم تلق التفاعل الجدّي من السادة الضيوف، بل ظل التصور قائماً على حصْر الصراع في إطاره الديني المذهبي حيناً، وفي إطاره الإقليمي حيناً آخر.

استفاقة الوعي السوري على خطورة المشروع الإيراني في المنطقة العربية جاءت متأخرة، لعل أحد أسباب هذا التأخر هو انخداع قطاعات نخبوية سياسية وثقافية واسعة بخطاب الممانعة الزائف الذي أفلحت إيران في تمريره ليس على السوريين وحدههم، بل على العديد من القوى العربية، وإن كان ثمة فضل في هذه الاستفاقة، فإنما يعود للثورة السورية العظيمة، التي تكمن عظمتها في تجلياتها الفكرية والثقافية، أكثر بكثير مما تكمن في إرهاصاتها السياسية.

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*