الرئيسية / مقـــالات / وفاة الفيلسوف الذي عارض الأسد ورفض مغادرة سوريا

وفاة الفيلسوف الذي عارض الأسد ورفض مغادرة سوريا

د.نصر فروان الحريري

رحل الفيلسوف الطيب :
رحل الفيلسوف الذي بكى سورية بحرقة
وبرحيلة انطفات منارة كبرى كانت ترسل إشعاعات خيرها ونورها في ربوع الوطن العربي والعالم . عندما يرحل العظماء تنفطر لذهابهم القلوب، لكونهم حماة حضارة الأمة وركنها الركين، وصمام أمن قيمها ومبادئها التي ترتفع بها إلى مصاف الأمم الخالدة ذات الإسهامات الكبرى في حياة البشرية.
نقف اليوم بمشاعر عميقة تشتعل فيها الحسرة والألم في موقع رثاء رجل بأمة.. رجل حاول أن يبقي على أمته حية في زمن التبعية والهوان والردة عن المبادئ الناصعة والمعاني الجميلة.
الطيب واحد من العظماء الذين أنجبتهم سورية في القرن العشرين، ووهبتهم شمائل وحبتهم بقدرات وطاقات متميزة ارتقت بهم إلى قمة المجد وذرى الفكر والعطاء
الطيب الفيلسوف رجل ليس ككل الرجال، ورمز ليس ككل الرموز، فما تركه الرجل الفذّ بين دفتي كتاب حياته الذي تتقاطر من صفحاته المضيئة كل صور العطاء والإبداع، يضعه -حتما ودون جدال- في المرتبة الأسمى التي لا يجاوره فيها إلا نفر قليل من علماء ومفكري الأمة، بالغي التفرد والتميز والإبداع، في العصر الحديث.
لقد مثل الطيب الفيلسوف مدرسة فكرية كبرى متكاملة الأبعاد والزوايا، طبعت بصماتها المؤثرة في كل مكان، وتركت آثارها العميقة في حياة سورية والأمة جمعاء.على الرغم من الكثير من المعوقات ومنها غياب حرية الفكر في ظل النظام الديكتاتوري المتمثل بسلطة ال الأسد
لم تنبع أهمية ودور ومكانة الطيب من مواقع ومناصب سياسية بل إنه اكتسب أهميته ومكانته أكثر ما يكون كمفكر قومي على مستوى العالم العربي لا يؤمن بالقطرية المحلية، ويدافع عن حقوق وقضايا الشعوب وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ويتصدى للطغيان الدولي، ويملك رؤى وحلولا ومشروعا حضاريا تتجاوز عناصره ومكوناته وتأثيراته سورية إلى آفاق العالم الرحب والساحة الدولية الأكثر اتساعا.
جسدت حياة الطيب كل أشكال القوة والعزم والصبر والثبات والصمود في وجه المحن والتحديات الأمنية والمخابراتيه
لا تقتصر حياة الطيب على المواقف الصلبة والقدرات الفكرية والسياسية الباهرة، بل إن رجل الفكر امتلك مرونة مدهشة صقلتها المحن والخطوب والتجارب والخبرات، ليشكل شخصية بديعة ذات ملامح ومكونات متكاملة تُوّجت بكاريزما ذاتية وحضور لافت لا يختلف في جدارتها وأهليتها أحد.
“من الصعب رثاء قامة كبرى كقامة الطيب الذي أفنى حياته في سبيل العطاء الفكري وإعلاء شأن أمته، كما انحاز الى جانب شعبه في ثورة الحرية والكرامة والعدالة الإنسانية ضد النظام الديكتاتوري لذا، لم يكن مستغربا عدم اكتراث النظام بافول هذا الكوكب
اليوم، تفتقد سورية والأمة العربية “الرجل الأمة” الذي زرع بذرة النهوض الواعد لسورية الحديثة بالمفهوم الحقيقي وليس بالمفهوم الأسدي المتخلف حيث كان يعزف على وتر السياسة النظيفة غير الملوثة بأدران الكذب والخداع والتضليل، لنيل الشعب حقوقه المسلوبة وكرامته المفقودة من أنياب الحكم الجبري لنظام القمع والاستبداد.
لقد شكل الفيلسوف الطيب مثلا رائعا ونموذجا حضاريا رائدا لجيل المفكرين العظماء الذين أنجبتهم سورية على امتداد تاريخها الحضاري الطويل
“رحل الفيلسوف الطيب وغاب عن مشهد الحياة بصمت، وانطوت صفحة جسده الهرِم، لكن فكره المبثوث في سورية وكافة أرجاء وربوع الأمة سيبقى ما بقيت الامة “خسرت سورية والأمة العربية برحيل الطيب الكثير، وفقدت رمزا من أوفى وأكبر وأعظم رموزهاالفكرية في العصر الحديث.. رمز سيشهد له التاريخ في أسفاره المعاصرة بمدى تأثيره في مشهد الامة الثقافي ومسارها الحضاري والإنساني 

 

وُلد المفكر والفيلسوف السوري طيب تيزيني في مدينة حمص عام 1934، وتعلم بها، ودرس الفلسفة في جامعة دمشق، ليقطع دراسته في مرحلتها التخصصية ويغادر إلى تركيا ومن ثم بريطانيا ومن ثم ألمانيا ويحصل هناك على الدكتوراه في الفلسفة عام 1967 في أطروحة معنونة بـ “تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة” والتي نشرت بالألمانية عام 1972، وليحصل أيضاً على الدكتوراه في العلوم الفلسفية عام 1973، ليعود إلى جامعة دمشق التي غادرها أستاذاً في كلية الفلسفة.

وتبلورت أطروحة الدكتوراه لاحقاً في كتاب التيزيني الأول “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط”، لتتحول الأطروحة والفكرة لاحقاً لدى الفيلسوف السوري إلى مشروع متكامل مكون من 122 جزءاً، ويصدر له كتب “الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى” (1982)، و”من يهوه إلى الله” (1985)، و”مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر” (1994).

ولم يكمل تيزيني مشروعه ذا الـ 12 جزءاً، ليتحول لاحقاً عام 1997 للتركيز على قضية النهضة، ودراسة عوائق النهضة العربية، والإبقاء على الفكر الماركسي كمرجعية فلسفية له. لينجز في هذا السياق أعمالاً مثل “من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي” (1996)، و”النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة” (1997)، و”من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني” (2001).

وحول نشاطه السياسي قبل أن يغادر سوريا للدراسة، قال تيزيني في حوار مع جريدة الراية عام 2008، “في الحقيقة هنالك بعض الجذور التي تشدني إلي السياسة فكراً وممارسة، فلقد أسهمت في بعض الأحزاب اليسارية التي نشأت في سوريا لفترة زمنية كنت بعدها أعود إلي العمل الفكري خصوصاً بصيغة الفكر السياسي، لذلك فالتجارب التي عشتها في أحزاب سياسية معينة كانت تقدم لي تجربة عميقة، سعيت وأسعى إلى التنظير لها في إطار الفكر السياسي العربي، وقد تعمق هذا الاتجاه لدي حين لاحظت ضرورة العودة إلي الفكر السياسي العربي في التاريخ العربي علي نحو العموم، فكتبت مثلاً بعض كتاباتي التي امتزجت باهتمام عميق بالسياسة وبالفكر السياسي”.

واختارت مؤسسة كونكورديا الألمانية الفرنسية الدكتور طيب تيزيني عام 1998،  واحداً من مئة فيلسوف في العالم للقرن العشرين.

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*