الرئيسية / مقـــالات / التصفية الفكرية للثورة..

التصفية الفكرية للثورة..

ماهر شرف الدين

عقيد ركن من جيش الأسد متورّط بجرائم إبادة، تمَّ إلقاء القبض عليه قبل أيَّام، وبدل أن يُسأل عن عدد جرائمه، تمَّ سؤاله عن عدد الركعات والصلوات!

بعد مليون شهيد، وبعد دمار الحواضر والمدن، وبعد تهجير أكثر من نصف سكَّان سوريا، يُحقَّق مع ضابط مأسور في دينه بدل أن يُحقَّق معه في جرائمه.

الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع، لخَّص بأسذج الصيغ –ولكنْ أكثرها أمانةً- حالَ الخراب الذي وصلت إليه سوريا، في مرحلةٍ تكاد تصبح عبثيةً بعدما تمَّ تجريد سابقاتها من العناوين التقدُّمية التي تظلَّلت بها الثورة السورية في مرحلتها الأولى.

وفي اختزالٍ انتهازي وغير أخلاقي، لا يجدر أن يصدر عمَّن يدَّعون بأنهم أصحاب همّ ثوريّ، انتقد البعضُ الفيديو المنشور من باب أنه “يخدم صورة النظام”! أمَّا الذين انتقدوه بوصفه حالة نكوص ثوريّ، بصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة، فقد تعرَّضوا لهجوم زمرةٍ اعتاشت على نفاق الجوّ العام، تحت ذرائع -مهما اختلفت- تبقى رهينة رغبتها في استثمار الغرائز.

الجوّ العام يُحبّذ وينبذ. ثقافة النفاق الإعلامي هي الرائجة، وثقافة النقد منبوذة. الجوّ العام يريد إعلاماً ممالئاً كاذباً تحت شعار “الثورية”. تلك الزمرة تفهم ذلك، وتستثمر فيه غير عابئة بالنتائج، ما دام أفرادها يعيشون خارج فيزياء المأساة وداخل دول آمنة.

الذين روَّجوا لـ”داعش” في بداياتها بذريعة “فكرية” متهافتة، عن الشمولية الدكتاتورية التي لا يمكن مواجهتها إلا بشمولية دينية شبيهة بها، ها هم يعيدون الكرَّة في الترويج لـ”جبهة النصرة” بذرائع “فكرية” ودينية أكثر تهافتاً، تاركين ممرَّاً واحداً إجبارياً لمعارضة الأسد، ألا وهو تأييد الجولاني.

مصطلحات “فطائس” و”تمَّ الدعس” و”تحت أقدام المجاهدين”… لم تزل مستمرَّةً ومرغوبةً من قبل قطاعٍ غرَّرَ به الجهل حتى بات يرى في الشتيمة فعلاً ثورياً، وفي الكذب فعلاً ثورياً، وفي التلفيق فعلاً ثورياً.

لقد تعرَّضت الثورة في سوريا إلى ما يشبه “التصفية” على المستوى الفكري، ساهم فيها –بعد النظام- رعاعُ المنابر وأشباهُ المثقفين الذين رأوا في مسايرة الانحطاط أسرع الطرق للانتشار. ولا نبالغ إذا ما قلنا بأنَّ هذه التصفية الفكرية للثورة هي التي مهَّدت لما نراه اليوم من تصفيات أخرى على المستوى السياسي، بل وحتى على المستوى العسكري.

بالطبع لم تُنتج ثورات العرب الحديثة فلاسفةً ومفكّرين، ولكنها مع ذلك نجحت، إبَّان انفجارها الشعبي، في رسم خطوط فكرية عريضة (حرّية، ديموقراطية، دولة مدنية…) شكَّلت الغطاء النظري الذي حماها مدَّةً من الزمن، في انتظار أن تنجح في بلورة الفلسفة الخاصة بها.

في سوريا، حتى تلك الخطوط، التي ظننا أنها كفتنا شرَّ العَوَز التنظيريّ لبعض الوقت، تمَّ محوها برصاصٍ أطلقته فوَّهة بندقية أخمصها لم يزل عالقاً في عصر ليس هذا العصر. حتى صارت المجاهرة بـ”كفر الديموقراطية”، وفي القلب منها تكفير أصحاب الفكر المدنيّ، تجمع من المهلّلين والمصفّقين ما لا تجمعه أيُّ فكرة أخرى.

المظلومية الشعبية استُعملت أشنع استعمال حين أُريد لها أن تكون مبرّراً لكلّ حالة الانحطاط الثوري الذي وصلنا إليه، وحين أُريد لها أن تكون آلةً لإعادة إنتاج فكر إجرامي معادٍ للحضارة، كالفكر “القاعديّ”، وفق صيغةٍ تزعم سوريَّتها، في معنى أنها تطمح إلى أن يتمّ تقديمها كحالة وطنية طبيعية.

إنَّ النقاش حول هذه المعضلة أساسي وجوهري، إلى درجة أنَّ أي سؤال مطروح خارجه، اليوم، لن يكون أقلَّ عبثية من سؤال العقيد المأسور عن عدد الركعات في صلاة المغرب.

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*