الرئيسية / مقـــالات / الوجود الإيراني والحل السياسي.. معادلة بوتين المستحيلة

الوجود الإيراني والحل السياسي.. معادلة بوتين المستحيلة

منذ تدخل القوات الروسية لإنقاذ نظام الأسد المتهاوي في أيلول من عام 2015، أعلن بوتين النصر في سوريا أكثر من مرة، على من يسميهم “الإرهابيين” دون أن تميز صواريخه بين رضيع أو “أمير” في تنظيم جهادي، وذلك إما في زياراته لقواعد جيشه في سوريا أو في خطابات موجهة للداخل الروسي. حتى وصل به الحال إلى إعلان الانسحاب مرة في آذار من عام 2016 وأخرى في أواخر 2017، في محاولة منه لتكوين صبغة رسمية حول وجود قواته في سوريا وعملياتها التي قتلت 6686 مدنياً خلال 4 سنوات، وأيضاً لتعزيز فكرة “النصر” و”القضاء على الإرهاب”.

بعيداً عن محاولات بوتين الفاشلة لترسيخ هذا الانطباع، استطاعت روسيا بسياستها العسكرية المعهودة، سياسة الأرض المحروقة، استعادة السيطرة على خمس مناطق محاصرة كان أولها أحياء مدينة حلب الشرقية أواخر عام 2016، ومن ثم السيطرة على الجنوب السوري.

انتصارات مزعومة

وفي حين تروّج موسكو لـ “انتصاراتها” المزعومة، فهي تعلم أنها بصدد التعامل مع تبعات هذه “الانتصارات” التي تحقق بعضها بعد استخدام النظام للسلاح الكيماوي كما حصل في دوما، وما سيترتب على ذلك من عقوبات عليها وعلى حليفها الأسد، وأيضاً زيادة أعداد القضايا التي يتم تجهيزها لمجرمي الحرب من أعمدة النظام، ولكن الأهم من كل ذلك هو عدم إمكانية إعادة الحياة ولو برمقها الأدنى إلى هذه المناطق التي دمرتها آلة الحرب الروسية، والتي تعجز موسكو عن إعادة إعمارها.

تخوض روسيا معركتين في سوريا، الأولى وهي ما تركز عليه، معركة ميدانية بهدف إعادة سوريا كاملة إلى حليفها الأسد، ولو كان ذلك على حساب 6686 مدنياً (بينهم 1928 طفلاً و908 نساء) بحسب توثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ومعركة ثانية تجري أحداثها الباردة في أروقة اجتماعات أستانا وسوتشي وجنيف، والاجتماعات التقنية لمسؤولي وزارات الدفاع وأجهزة الاستخبارات مع تركيا وأميركا وإسرائيل.

وبذلك، حتى يعلن بوتين نصراً حقيقياً، فإنه ما يزال أمامه تحديان يبدو أنهما مستحيلا الحل وفق الظروف القائمة والمعقدة. حل سياسي مرهون بالتحركات على الأرض ومبني على تفاهمات دولية عديدة أبرزها القرار 2254، وثانياً التزامات خانقة بإبعاد إيران وميليشياتها عن التراب السوري.

لجنة دستورية ترى النور بعيون تركية روسية.. والقادم أكثر تعقيداً وبطئاً

بعد عام وتسعة أشهر على “مؤتمر الحوار الوطني” في سوتشي، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش في الـ 23 من أيلول الجاري، عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية، وذلك بعد ست جلسات أستانية لا جديد فيها.

تعول موسكو على اللجنة الدستورية للانقلاب على القرارات الأممية مثل بيان جنيف لعام 2012 والقرارين 2118 و2254، والتهرب من الالتزامات التي لم يكن بمقدور موسكو حينها إلا القبول بها، وكذلك تهدف موسكو من خلال اللجنة، إلى تمييع دور المعارضة السياسية مواقفها، وهذا ما عملت عليه منذ اجتماع الرياض 2، عندما ضربت تركيبة الهيئة العليا للتفاوض، وشكلت بموافقة ودفع سعودي هيئة التفاوض السورية عبر ضم أعضاء من منصتي موسكو والقاهرة.

وفي ظل الانكفاء الأميركي وضعف المواقف لدى “أصدقاء الشعب السوري”، خاصة السعودية وتركيا، تمكنت روسيا من فرض هذه التركيبة الجديدة للمعارضة السياسية في سياقات الحل السياسي.

ويأتي الإعلان عن هذه اللجنة في الوقت الذي تدأب فيه أنقرة للحصول على وقف طويل وحقيقي لإطلاق النار، وبعد خسارة الريف الحموي ومدينة خان شيخون ومحاصرة نقطة المراقبة التركية في مورك، نتيجة الموقف التركي اللين تجاه معركة روسيا والنظام الأخيرة على إدلب؛ فلم يكن من المستبعد أن توافق أنقرة على إعلان اللجنة الدستورية وملفات أخرى ربما تتوضح لاحقاً، مقابل الحصول على وقف لإطلاق النار وإنهاء العمليات العسكرية، ما يعطي لتركيا الوقت المطلوب لترتيب الداخل السوري، والانتهاء من الملفات العالقة وخاصة ملف التنظيمات المصنفة إرهابياً.

لا يعني موافقة أنقرة على إعلان اللجنة الدستورية، نجاح هذه اللجنة، أو حصول روسيا على ما تريده منها، فتركيا وعلى لسان هيئة التفاوض، أكدت أن اللجنة الدستورية ستمضي في جنيف، كمكان لانعقاد جلسات عملها، وكمرجعية للقرار 2254، الذي كان صلبه تشكيل هيئة حكم انتقالي، فسرها كثير من السياسيين السوريين والخبراء القانونيين على أنها نهاية لحقبة الأسد، وفرصة جيدة للمعارضة لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتفكيك المنظومة الأمنية الأسدية. التذكير التركي على مرجعية القرار 2254 كبوابة للحل السياسي، يتيح لها الانسحاب من اللجنة الدستورية أو على الأقل المماطلة فيها لسنوات.

الآن ما يزال أمام روسيا شوط طويل حتى تنقلب على عملية الانتقال السياسي، وتفرض دستورها على السوريين. فاللجنة التي تطلّب الإعلان عنها والاتفاق على أسماء أعضائها، عاماً وتسعة أشهر جرى خلالها ست جلسات في أستانا دون أي جديد فيها؛ فلن يكون من المستبعد أبداً أن تغرق هذه اللجنة في تفاصيل آليات العمل، والاتفاق على بنود دستور يلبي متطلبات الدول المتحكمة بالشأن السوري، وهنا لا يمكن صرف النظر عن فكرة أن الحل السياسي في سوريا لا ينفصل أبداً عن المجربات الميدانية المتقلبة.

روسيا عالقة بين التزاماتها بإخراج الإيرانيين وقدرتهم على ذلك

منذ عامين، تزايدت وتيرة الضربات الإسرائيلية ضد أهداف تابعة للحرس الثوري الإيراني في سوريا، حتى باتت هذه الضربات روتيناً أمنياً تؤديه إسرائيل بطريقة متوازنة للحفاظ على الهدف الرئيسي من هذه الضربات، ألا وهو تجنب اندلاع مواجهة مباشرة، ولذلك لم تضرب إسرائيل شخصيات رفيعة المستوى في الحرس الثوري، وركزت ضرباتها على البنى التحتية التي دأبت طهران على تجهيزها في سوريا لتحقيق نوع من توازن القوى في المنطقة ككل، وتأمين أسلحة ردع أكثر من كونها أسلحة هجومية.

في سوريا، نجحت إسرائيل إلى حد كبير في تدمير المنشآت الإيرانية الرئيسية لتصنيع صواريخ دقيقة وطائرات من دون طيار، أما في لبنان فكانت الضربة الأكبر لميليشيا حزب الله في عملية درع الشمال التي أطلقها الجيش الإسرائيلي في كانون الأول الفائت، وأحبطت بذلك خطة فيلق القدس الإيراني في الهجوم عبر أنفاق تحت الأرض، ومن ثم كشفت الضربات الإسرائيلية في 24 و25 الشهر الفائت مدى المعلومات التي تمتلكها إسرائيل عن تحركات ميليشيا لحرس الثوري، عندما قتلت في ضربة جوية عنصرين من ميليشيا حزب الله في محيط العاصمة دمشق مما حال دون تعرّض إسرائيل لهجومٍ مخطط له بطائرات من دون طيار، وفي اليوم التالي ضربت طائرتان من دون طيار تابعتان للجيش الإسرائيلي مبانيَ سكنية واقعة في ضاحية بيروت الجنوبية. وذكرت التقارير الإعلامية أن الطائرتين استهدفتا صناديق شحن يُعتَقد أنها تحوي آلات لمزج وقود دفعي عالي الجودة يُستخدم في الصواريخ الدقيقة التوجيه.

وبعد الضربة الإسرائيلية لميليشيا الحشد الشعبي في العراق قرب الحدود السورية، بات واضحاً أن إسرائيل بدأت تتعامل مع الحرس الثوري الإيراني الممتد من إيران وحتى لبنان كتهديد واحد، في حين تدفع الظروف السورية والإقليمية والدولية، لتكون سوريا ساحة الصراع المثلى لكل الأطراف، ففيها يكون الفعل ورده.

كل هذه التطورات المتسارعة جاءت بعد قمة القدس الأمنية الثلاثية بين مسؤولي الأمن القومي لدى إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة في الـ 25 من حزيران الفائت، لتنسيق الجهود بهدف طرد إيران من سوريا.

الالتزامات الروسية بإخراج إيران من سوريا، تعود إلى ما قبل معارك الجنوب السوري منتصف العام الفائت، لكن يبدو أن روسيا عالقة الآن، فهي قدمت التزامات لعدة دول بإخراج إيران من سوريا، في محاولة منها لخفض سقف المطالب الدولية بعيداً عن إنهاء حكم الأسد، وجعل أصدقاء الشعب السوري يركزون على الوجود الإيراني. وكذلك محاولة تجنب أية صراعات إيرانية إسرائيلية على الأرض السورية التي تريد موسكو استقرارها بأي شكل كان لإعادة تعويم النظام والتحول نحو إعادة الإعمار.

وفي الوقت نفسه فإن موسكو ما تزال عالقة أيضاً بين عدم قدرتها على تغطية الوجود الإيراني المتمثل بأكثر من 150 ألف عنصر من مختلف الميليشيات، وعدم قدرتها على إخراج إيران من سوريا عسكرياً في حال ساءت الظروف أكثر من ذلك.

الكاتب عبدالله الموسى

عن mjd.alawfa@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*